الكايد يكتب: المطلوب تواصل افقي لا اتصالا عموديا

المحامي علاء مصلح الكايد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 12:39
كشفت التغذية الراجعة على مشروع قانون الضمان عن فجوة كبيرة بين السلطات التي تدير شؤون المواطنين من جهة والمواطنين في الجهة المقابلة، وقد سبق لي التنبيه لذلك في مقالة سابقة منذ أربعة شهور بعنوان "التواصل الحكومي وفق التغذية الراجعة".

ولا أذكر اطلاقا، منذ تشكيل الحكومة وانعقاد مجلس النواب الحاليّين أن حوارا عاما إنطلق بأي خصوص، ولم أرَ حتى اللحظة لقاء جمع سلطات الدولة بالمواطنين خلال تلك المدة باستثناء جلسات مجلس الوزراء في المحافظات والتي يقتصر حضورها على الفعاليات الرسمية والمنتخبة، ومنتدى التواصل الحكومي الذي يقتصر على وسائل الإعلام فقط، وذلك جيد لكنه غير كاف، فالتغذية الراجعة التي تعاينها السلطات عبر المنصات والتي في معظمها غاضبة أو مشككة سببها ليس غياب التواصل فهو موجود بصور عدة؛ لكن أحد أهم أشكاله وهو الحوار العام هو الغائب، مما أدى لشعور المواطن ببعد المسافات وبعده عن صناعة القرار في الغالب الأعم.

ومن واقع التجربة، انطلقت اللجان الفرعية للجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية لتعقد حوالي ٦٠٠ لقاء خلال ثلاثة شهور، لم تقتصر على فئة أو بقعة جغرافية معينة، بل شملت الآلاف من مختلف القطاعات والمناطق، فكان المنتج النهائي مقبولا لدى السواد الأعظم، بتواصل مباشر واتصال عبر مختلف القنوات.

وبالعودة لعدة سنوات مضت، كان الحوار والمكاشفة أحد أبرز وأهم وسائل استيعاب موجة ما سمّي بالربيع العربي، وتحمّلت بعض الحكومات في سبيل ذلك العناء وربما الإساءة بشجاعة، وكانت النتيجة عبور الوطن إلى برّ الأمان، كما من الأمثلة الحيّة على ذلك الحوارات التي أجريت لتعديل قانون الضمان في العام ٢٠٠٨ وكذلك قانون ضريبة الدخل في العام ٢٠١٨، كلها محطات كانت وصفة نجاحها التواصل المباشر والحوار، ولم تقتصر على الاتصال الخبري.

اليوم؛ لدينا تواصل حكومي نوعيٌّ فنيّ ينصبّ في معظمه على وسائل الاعلام أو مجموعات من المختصين، ونيابيا ليس هناك أي تواصل من أي نوع حتى على مستوى الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، وبالمحصّلة فإن المواطن يسمع ويقرأ عن تلك السلطات وقراراتها ولا يراها سوى من خلف الشاشات أو المواقع الإعلامية، أو من خلف زجاج مُظلّل لمركبات النمر الحمراء، أي هناك اتصال وجزء من التواصل غير الكامل، فالحوار شكل من أشكال التواصل، يتطلب وجود لقاءات وجاهية لا زيارات تفقدية فنية الطابع أو خاطفة.

فما المانع من عقد لقاءات حوارية حيوية مع المواطنين في المحافظات كافة؟ كم ستقرب تلك اللقاءات بين المواطن والدولة بكل فئاتها؟ أجزم أن أثر ذلك إيجابي بالمطلق والتجارب السابقة السالف ذكرها أكبر برهان.

نحن في مرحلة أزمات مركبة، حتى بعد انتهاء الحرب الدائرة، وأهم عنصر فيها هو ثقة من يمسّه القرار الرسمي بمن اتخذ ذلك القرار، ليس من ناحية الأهلية فهي متوفرة، إنما من باب التقارب والشعور بإدراك المواطن لوعي الجانب الرسمي بتطلعاته وهمومه ومخاوفه، ووضعه أمام معطيات القرار وموجباته وإبقاء جسور التواصل ممدودة، وسيشعر بانه شريك في القرار لا مجرد متلقٍّ له، عبر حوار أفقي لا خطاب عمودي.

لقد أوعز دولة الرئيس في بداية عهده للحكام الإداريين بإدامة التواصل مع المواطنين، وأشار في مقابلته التلفزيونية بأن عمله الميداني هو اقتداء بالنهج الملكيّ، والنهج الملكي حواريّ شامل أيضا، ففي مثل هذا اليوم منذ سبع سنوات؛ تشرفت بمقابلة جلالة الملك مع عدد من السياسيين والإعلاميين، وكانت البلاد حينها تعيش ما سمي بأزمة المتعطلين، والأمثلة على هذا التواصل مستمرة ومتواصلة لا تنقطع، من قبل جلالة الملك وسموّ وليّ العهد.

لذا فالأمل بأن يوعز الرئيس بخطة تواصلية دائمة تكسر الحواجز مع فئات المواطنين كافة، تنطلق من تشريعات الادارة المحلية وتستمر بعدها، أما مجلس النواب فعليه أن يلتقط الفرصة ويرفع أسهمه في حواره المفترض حول مشروع قانون الضمان الاجتماعي، تلك وسائل تصنع الفارق كما أثبتت المحطات السابقة، سلبا عند الغياب وايجابا عند الحضور.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/07 الساعة 12:39