أبو زيد يكتب: الأُرْدُنُّ أَوَّلًا… قَلْبُ الْعُرُوبَةِ وَسِيَادَةُ الْمَوْقِفِ

زيد أبو زيد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/05 الساعة 01:25
لَيْسَتِ الْكِتَابَةُ عِنْدَ بَعْضِنَا حُرُوفًا تُصْفَفُ عَلَى وَرَقٍ، بَلْ هِيَ انْتِمَاءٌ يَنْبِضُ، وَمِيثَاقُ وُجْدَانٍ لَا يَتَزَحْزَحُ. وَحِينَ يَكُونُ الْوَطَنُ فِي مِفْتَرَقِ الطُّرُقِ، تُصْبِحُ الْكَلِمَةُ مَوْقِفًا، وَيَغْدُو الْقَلَمُ حَارِسًا لِلسِّيَادَةِ وَالْكَرَامَة.

كَتَبْتُ كَثِيرًا مِنَ الْمَقَالَاتِ فِي مُخْتَلِفِ الْمَجَالَاتِ، مَقَالَاتٍ فِي الْحُبِّ وَالْعِشْقِ، فِي الْأُمِّ وَالْأَبِ، فِي الْأَخِ وَالْأُخْتِ، فِي الِابْنِ وَالِابْنَةِ، وَفِي الْحَفِيدِ أَيْضًا. كَتَبْتُ مِئَاتِ الْمَقَالَاتِ تَحَدَّثْتُ فِيهَا عَنْ وَطَنِي الْعَرَبِيِّ الْكَبِيرِ، بِلَا جَوَازَاتِ سَفَرٍ، وَبِلَا تَأْشِيرَاتِ دُخُولٍ إِلَى هٰذَا الْقُطْرِ أَوْ ذَاكَ. كُنْتُ دَوْمًا فِي كِتَابَاتِي أَعْتَبِرُ أَنَّ هٰذَا الْوَطَنَ، مِنْ مُحِيطِهِ إِلَى خَلِيجِهِ، هُوَ أَرْضٌ وَاحِدَةٌ، وَكُلَّ شُعُوبِ هٰذَا الْوَطَنِ هِيَ ذَاتُ تَقَالِيدَ وَثَقَافَاتٍ وَعَادَاتٍ وَوُجْدَانِيَّاتٍ مُتَشَابِهَةٍ جِدًّا.

وَلٰكِنْ يَبْقَى وَطَنِي الْأُرْدُنُّ هُوَ الْقَلْبُ فِي كُلِّ هٰذَا الْجَسَدِ الْعَرَبِيِّ الْمُمْتَدِّ مِنَ الْمُحِيطِ إِلَى الْخَلِيجِ، بِأَنْهَارِهِ وَبُحَيْرَاتِهِ وَمُحِيطَاتِهِ وَخُلْجَانِهِ، بِبَوَادِيهِ وَقُرَاهُ وَمُدُنِهِ وَصَحْرَائِهِ، بِبَشَرِهِ، بِجَمَالِيَّاتِهِ، بِمُحْتَوَاهُ مِنْ أُدَبَاءَ وَشُعَرَاءَ وَمُفَكِّرِينَ وَمُنَظِّرِينَ.

وَلٰكِنْ فِي مُنْعَطَفٍ غَيْرِ تَقْلِيدِيٍّ تَمُرُّ بِهِ أُمَّتُنَا، كَتَبْنَا فِيهِ الْكَثِيرَ عَنِ الصِّرَاعَاتِ الَّتِي تَدُورُ فِي هٰذَا الْإِقْلِيمِ وَفِي هٰذَا الْوَطَنِ. طَالَبْنَا مِرَارًا مِنَ الْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ وَمِنَ الْعَالَمِ، وَقَاتَلْنَا مِنْ أَجْلِ أَنْ يَسُودَ السَّلَامُ، وَأَنْ تَتَحَقَّقَ لِكُلِّ شَعْبٍ مِنْ شُعُوبِ هٰذِهِ الْمِنْطَقَةِ حُرِّيَّتُهُ وَسِيَادَتُهُ عَلَى أَرْضِهِ.

طَالَبْنَا طَوِيلًا بِسُوقٍ عَرَبِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، وَبِتَكَامُلٍ فِي كُلِّ هٰذَا الْجَسَدِ، فِي تِجَارَاتِهِ وَاقْتِصَادِيَّاتِهِ وَأَمْوَالِهِ وَثَرَوَاتِهِ وَمَوَارِدِهِ الْبَشَرِيَّةِ، وَفِي الْبَحْثِ عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ هٰذَا الْجَسَدِ الْعَرَبِيِّ الْمُمْتَدِّ مِنَ الْمُحِيطِ إِلَى الْخَلِيجِ لِتَتَكَامَلَ الْأَدْوَارُ.

وَلٰكِنْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ أَنْ تَبْقَى الصِّرَاعَاتُ فِي هٰذَا الْوَطَنِ تَنْزِفُ حَتَّى هٰذِهِ السَّاعَةِ. قَاتَلْنَا مِنْ أَجْلِ فِلَسْطِينٍ حُرَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَعَاصِمَتُهَا الْقُدْسُ، وَطَالَبْنَا بِمَعَايِيرَ مُتَسَاوِيَةٍ فِي هٰذَا الْعَالَمِ. طَالَبْنَا بِأَنْ يَسُودَ الِاسْتِقْرَارُ لِيبِيَا، وَأَلَّا يَتِمَّ التَّدَخُّلُ فِي شُؤُونِهَا الدَّاخِلِيَّةِ. طَالَبْنَا بِأَنْ يَتَسَنَّى لِلشَّعْبِ فِي سُورِيَا حُرِّيَّتُهُ وَدِيمُقْرَاطِيَّتُهُ. طَالَبْنَا بِأَنْ تَتَوَقَّفَ الْحَرْبُ فِي السُّودَانِ، وَقُلْنَا نَعَمْ لِلْقَرَارِ اللُّبْنَانِيِّ الْمُسْتَقِلِّ.

وَلٰكِنْ بَعْدَ كُلِّ ذٰلِكَ يَبْقَى الْأُرْدُنُّ هُوَ الْمَلَاذُ، هُوَ الْوَطَنُ، هُوَ الْحَبِيبُ.

وَفِي هٰذَا الْمُنْعَطَفِ الْخَطِرِ بَدَأَتْ خَفَافِيشُ الظَّلَامِ تُحَاوِلُ أَنْ تَنْهَشَ فِي الْجَسَدِ الْعَرَبِيِّ، وَتُحَاوِلُ أَنْ تَمَسَّ الْوَطَنَ فِي ظِلِّ الْأَزْمَةِ الَّتِي تَصَاعَدَتْ بَيْنَ الدَّوْلَةِ الْإِيرَانِيَّةِ وَإِسْرَائِيلَ وَالْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ، وَقُلْنَا مُنْذُ الْبِدَايَةِ، وَقَالَهَا جَلَالَةُ الْمَلِكِ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ وَوَزِيرُ خَارِجِيَّتِهِ وَرَئِيسُ وُزَرَائِهِ: لَا نُرِيدُ فِي سَمَاءِ الْأُرْدُنِّ وَلَا عَلَى أَرْضِ الْأُرْدُنِّ أَنْ يَتَكَثَّفَ الصِّرَاعُ. لَا نُرِيدُ لِأَيِّ صَارُوخٍ، لِأَيِّ طَائِرَةٍ، لِأَيِّ مُسَيَّرَةٍ أَنْ تَمَسَّ سِيَادَةَ هٰذَا الْوَطَنِ. لَا شَأْنَ لَنَا بِصِرَاعَاتِكُمْ. لِكُلِّ دَوْلَةٍ مَصَالِحُهَا وَلَنَا مَصَالِحُنَا.

وَفِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ، وَبِحُبٍّ وَعَقِيدَةٍ صَافِيَةٍ، عَاهَدْنَا أَنْ نَبْقَى يَدًا وَاحِدَةً فِي الدِّفَاعِ عَنْ هٰذَا الْوَطَنِ. لَا نُجَامِلُ فِي حُبِّ أَحَدٍ، وَلَنْ نُزَاوِدَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا نَسْمَحُ لِأَحَدٍ أَنْ يُزَاوِدَ عَلَيْنَا.

الْأَوْلَوِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَتَوَافَقَ عَلَيْهَا الْجَمِيعُ هِيَ، فِي هٰذِهِ الْأَزْمَةِ كَمَا كُلِّ الْأَزْمَاتِ: الْأُرْدُنُّ أَوَّلًا. وَهٰذِهِ هِيَ الْمِصْفَاةُ الْوَطَنِيَّةُ الْمُنْحَازَةُ لِلْوَطَنِ وَلِلدَّوْلَةِ الْأُرْدُنِيَّةِ وَلِمَوَاقِفِهَا، وَالدِّفَاعُ عَنْهَا بَعِيدًا عَنْ أَيِّ قَضِيَّةٍ أُخْرَى.

فَنَحْنُ لَمْ نَنْسَ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ أَيَّ قَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَا أُمَّتِنَا، وَحَتَّى قَضَايَا الْإِنْسَانِيَّةِ. فَلِمَاذَا يُحَاسِبُونَنَا الْيَوْمَ؟ بِمُسَمَّيَاتٍ عَدِيدَةٍ وَتَحْتَ عَنَاوِينٍ عَدِيدَةٍ عَنْ دِفَاعِنَا عَنْ وَطَنِنَا؟ هَلْ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ هٰذَا الْوَطَنُ سَاحَةً لِتَصْفِيَةِ الْحِسَابَاتِ عَلَى حِسَابِ الْمُواطِنِ وَالشَّعْبِ، قُوتِهِ وَسَلَامَتِهِ وَسَلَامَةِ أَرَاضِيهِ؟ أَلَا يَعْلَمُونَ الْخَطَرَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ تُشَكِّلَهُ هٰذِهِ التَّنَازُلَاتُ، إِنْ تَمَّتْ، عَلَى وَطَنِنَا؟

لَنْ نَسْمَحَ لِأَحَدٍ أَنْ يُزَاوِدَ عَلَيْنَا دِفَاعًا عَنْ وَطَنِنَا بَعِيدًا عَنْ أَيِّ حِسَابَاتٍ أُخْرَى.

سَيَبْقَى الْأُرْدُنُّ فِي الْقَلْبِ قِبْلَ الْجُغْرَافْيَا، وَفِي الْوِجْدَانِ قَبْلَ الشِّعَارَاتِ. وَسَتَبْقَى الْعُرُوبَةُ عِنْدَنَا هُوِيَّةً لَا تَنْفَصِلُ، وَلٰكِنَّ سِيَادَةَ الْوَطَنِ خَطٌّ أَحْمَرُ لَا يُمَسُّ.

الْأُرْدُنُّ أَوَّلًا… لِأَنَّهُ الْقَلْبُ، وَإِذَا سَلِمَ الْقَلْبُ سَلِمَ الْجَسَدُ كُلُّهُ.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/05 الساعة 01:25