الزيود يكتب: تشيزوفرينيا الوعي العربي

ياسين خلف الزيود
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/04 الساعة 15:11
نعيش اليوم في العالم العربي حالة انقسام داخلي عميق تبدو في ظاهرها خلافاً سياسياً حول صراع إقليمي لكنها في جوهرها أزمة هوية وانتماء فالتصعيد الايراني الصهيوأمريكي لم يعد مجرد مواجهة جيوسياسية بل تحوّل إلى اختبار مركزي لوعي المواطن العربي بذاته هل هو ابن دولته الوطنية أولاً؟ أم ابن أمته العربية؟ أم منتمٍ لمحور عقائدي أو مذهبي عابر للحدود؟

في غالبية الدول العربية تتعامل الحكومات مع إيران باعتبارها فاعلاً إقليمياً منافساً وأحياناً خصماً لأسباب تتعلق بتوازنات النفوذ وأمن الحدود وتداخل الملفات في العراق وسوريا ولبنان واليمن إضافة إلى حساسية الخليج العربي تحديداً تجاه أي مشروع تمددي في محيطه الحيوي في المقابل نجد شريحة من الرأي العام العربي تنظر إلى إيران من زاوية مختلفة تماماً دولة إسلامية تعلن عداءها الصريح لإسرائيل وتتبنى خطاب “المقاومة”في ظل عجز عربي مزمن عن بلورة استراتيجية مواجهة موحدة تجاه المشروع الصهيوني هذا التباين بين الحسابات الرسمية والاعتبارات الشعبية لا يُختزل في اختلاف وجهات نظر بل يكشف عن غياب سردية جامعة تضبط العلاقة بين المصلحة الوطنية والبعد القومي.

المواطن العربي يقف اليوم أمام دوائر انتماء متداخلة دولة وطنية لها تحالفاتها وحساباتها وهوية عربية ذات حمولة تاريخية وثقافية وروابط دينية أو مذهبية قد تتجاوز الحدود السياسية في بعض البيئات خصوصاً في الخليج يتقاطع البعد الجيوسياسي مع البعد المذهبي ما يضيف حساسية خاصة في قراءة الصراع مع إيران ومع غياب إطار عربي جامع يحدد الأولويات تتحول هذه التباينات إلى مساحات مفتوحة للاستقطاب.

ولا يقتصر أثر هذا الارتباك على الدول بل يمتد إلى الحركات الفاعلة في الإقليم فحركة حماس وجمهورها يعيشان بدورهما تعقيداً مشابهاً إذ استضافت قطر قيادات الحركة وقدمت لها غطاءً سياسياً وإعلامياً في حين ترتبط الحركة بعلاقة استراتيجية طويلة مع إيران التي تُعد أحد أبرز داعميها عسكرياً ومالياً هذا التموضع بين عاصمتين تختلفان في حساباتهما الإقليمية يضع الحركة وجمهورها أمام معادلة دقيقة تعكس بدورها طبيعة التشابك القائم في المنطقة، حيث لا يمكن الفصل بسهولة بين السياسي والعقائدي ولا بين الدعم والمصلحة.

المشكلة الجوهرية ليست في وجود خلاف حول إيران أو حول إسرائيل بل في غياب مشروع عربي جامع يعرّف ما هي المصلحة العربية العلياو كيف تُدار العلاقة مع القوى الإقليمية وما هو الحد الفاصل بين التعاطف الأيديولوجي والحساب الاستراتيجي

منذ تراجع المد القومي العربي في أواخر القرن العشرين لم يُستبدل ذلك الفراغ بمشروع بديل قادر على دمج الهوية القومية ضمن إطار الدولة الوطنية الحديثة فبقيت الدولة القُطرية قائمة بمفردها دون مظلة فكرية جامعة تُشعر المواطن أن انتماءه الوطني لا يتناقض مع عروبته ولا يُختزل في طائفته

عندما تتباين مواقف الشعوب داخل الدولة الواحدة بين مؤيد لضربات إيران لإسرائيل أو للقواعد الأمريكية وبين رافض لأي تصعيد يهدد الاستقرار الإقليمي فإن هذا التباين لا يبقى في إطار الجدل السياسي بل قد يتحول إلى تصدع اجتماعي وهنا تكمن الخطورة فالانقسام حول قضايا خارجية يعكس هشاشة التوافق الداخلي حول تعريف “المصلحة الوطنية” وإذا لم تكن هناك أرضية فكرية مشتركة تحدد أولويات الدولة وموقعها من الصراعات الكبرى يصبح المجال العام ساحة لتجاذبات عابرة للحدود.

من منظور استراتيجي لا تُدار العلاقات الدولية بالعواطف أو بالشعارات بل بحسابات القوة والمصلحة قد تتقاطع مصالح دولة عربية ما مع إيران في ملف وتتصادم معها في ملف آخر وقد تُعد إسرائيل تهديداً وجودياً في الوعي الجمعي العربي لكنها في ميزان بعض الدول تمثل واقعاً سياسياً قائماً يجب التعامل معه وفق ترتيبات محددة المعضلة ليست في تبني الواقعية السياسية بل في عجز النخب عن تفسيرها وتبريرها للمجتمع ضمن خطاب وطني واضح.

وعندما يغيب هذا الخطاب تُملأ الفجوة بسرديات شعبوية أو طائفية وهنا تكمن الحاجة إلى إعادة تعريف الذات ما نعيشه اليوم ليس “انفصاماً” بقدر ما هو صراع هويات غير محسوم والحل لا يكون بالانحياز الأعمى لهذا الطرف أو ذاك بل بإعادة صياغة مشروع عربي حديث:يرسّخ الدولة الوطنية كمظلة قانونية وسياسية ويعيد تعريف العروبة كإطار ثقافي وحضاري تكاملي لا كشعار تعبوي.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/04 الساعة 15:11