لمن يزأر الأسد؟ وهل ثمة مقارنة بين المرشد ومادورو؟

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/03 الساعة 01:43
أطلق الكيان الإسرائيلي اسم “زئير الأسد” على عملياته المدعومة من الولايات المتحدة ضدّ إيران، فيما بدأت وسائل الإعلام تتخلى عن توصيف “العمليات” لتسمّي الأشياء بأسمائها: حرب. غير أن السؤال الذي يتجاوز التسمية هو ما إذا كان الزئير يعني الحسم، أم أنه مجرد تعبير صوتي عن قوة قد تُختبر حدودها كما اختُبرت مرارا في تجارب سابقة.

التاريخ الحديث لا يمنح واشنطن سجلا خاليا من الهزائم والإخفاقات؛ في فيتنام امتلكت الولايات المتحدة تفوقا عسكريا ساحقا، لكنها عجزت عن فرض إرادتها السياسية هناك، وفي أفغانستان خاضت أطول حروبها قبل أن تنسحب تاركة فراغا استراتيجيا معقّدا، أما في العراق فقد أسقطت النظام سريعا، لكنها لم تستطع التحكم بمآلات ما بعد السقوط. هذه السوابق تكشف نمطا متكررا يعني أن القدرة على الضربة الأولى لا تعني القدرة على إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والسياسية العميقة للدول.

من هنا تبدو المقارنة مع فنزويلا، حيث استُهدف نيكولاس مادورو سياسيا واقتصاديا دون أن ينهار النظام، مقارنة قاصرة إذا أُسقطت عمليا على الحالة الإيرانية؛ ذلك أن موقع المرشد الأعلى، ممثلا اليوم بخامنئي، لا يُختزل في كونه رأس سلطة تنفيذية أو حتى سياسية؛ بل هو امتداد لفكرة “الولاية” كما تبلورت بعد ثورة 1979 على يد الخميني، حيث جرى دمج الفقه بالسلطة، والعقيدة بالبنية الدستورية.

في الوجدان الشيعي عموما، تقوم فكرة المرجعية الدينية على مبدأ التقليد والاتباع لمرجع يُنظر إليه بوصفه الأعلم والأقدر على استنباط الحكم الشرعي. ومع تطوير نظرية ولاية الفقيه، انتقل هذا المفهوم من دائرة الإرشاد الديني إلى دائرة القيادة السياسية. بذلك لم يعد المرشد مجرد مسؤول أعلى في هرم الدولة، بل رمزا لامتداد ديني–تاريخي يتصل بسلسلة الإمامة والانتظار والنيابة العامة عن الإمام الغائب. هذا البعد الرمزي يمنح المنصب ثقلا وجدانيا يتجاوز الحسابات البراغماتية البحتة، ويجعل استهدافه، نظريا أو عمليا، مساسا ببنية رمزية عميقة لا بشخص منفرد.

لدى شريحة واسعة من الإيرانيين، حتى أولئك الذين يختلفون سياسيا مع السلطة، يظل منصب المرشد جزءا من هوية الدولة التي نشأت بعد الثورة. إن شرعية النظام لا تقوم فقط على مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني أو المجالس الدستورية، بل على سردية تأسيسية ترى في المرشد حارسا للثورة واستمراريتها. هذه السردية، سواء اتفق معها المرء أو اختلف، تشكّل عنصر تماسك في بنية النظام وتجعل فكرة “قطع الرأس” أقرب إلى تبسيط نظري ساذج منها إلى استراتيجية بعيدة المدى ومضمونة النتائج.

هنا تتبدى حدود القياس السياسي على فنزويلا؛ فالرئيس هناك يمثل رأس السلطة السياسية، أما في إيران فالمرشد هو نقطة التقاء الديني بالدستوري، والرمزي بالمؤسسي. أي استهداف له لا يُقرأ بوصفه تغييرا شكليا، بل بوصفه مساسًا بالعقيدة السياسية التي قام عليها النظام. ومن ثمّ فإن البحث عن “حصان طروادة” داخل بنية الدولة الثيوقراطية سيصطدم بتشابك المصالح والرموز المقدسة والشرعيات الدينية في آن واحد.

قد يزأر الأسد في لحظة تفوق عسكري، وقد تُسجَّل له ضربة تكتيكية بوصفها إنجازا. لكن التجربة تشير إلى أن النظم ذات الجذور العقائدية العميقة لا تُقاس فقط بمدى صلابتها أمام الضربة الأولى؛ بل بقدرتها على إعادة إنتاج ذاتها بعدها. وإذا كانت الولايات المتحدة قد تعلمت، عبر فيتنام وأفغانستان والعراق، أن إسقاط البنية أصعب من قصفها، فإن الحالة الإيرانية تضيف بعدا آخر يفيد أن بعض الرؤوس ليست مجرد قمة هرم، بل عقدة رمزية في وعي جماعي، وأن الزئير — مهما علا — لا يكفي وحده لتفكيك منظومات تتغذى على معان تتجاوز السياسة كي تصل إلى مستوى أعلى من الولاء والانتماء الديني الجارف.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/03 الساعة 01:43