المساعدة يكتب: السراب الرقمي لا يهزّ وطناً

جهاد المساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/02 الساعة 12:02
في زمنٍ صار فيه "عدد المشاهدات" سيّد المشهد، يُخيّل لبعض مواقع التواصل الاجتماعي أن ملايين الزيارات شهادة جودة، وأن كثرتها تعني قوة التأثير، وكأن العدّاد أصبح ميزانًا، وكأن الخوارزمية تحوّلت إلى هيئة اعتماد.

لكن الحقيقة أصدق من هذا السراب: فليس كل ما ينتشر جديرًا بالانتشار، وليس كل ما يُقرأ يستحق الاحترام، فضلًا عن أن يُصدَّق.

حين يقدّم موقعٌ محتوى يُشوّه صورة الوطن ومؤسساته، ثم يلوّح بأرقامٍ فلكية كما لو كانت وسام شرف، فإن السؤال ليس: كيف انتشر؟ بل: لماذا يُزار؟

أحيانًا لا تدلّ الملايين على اقتناعٍ بالمحتوى، بل على فضولٍ جماعي:

إلى أي حدٍّ بلغ الانحدار الأخلاقي؟

ما السقف الجديد للمبالغة؟

إلى أين وصلت تفاهة العنوان التالي؟

يهاجمون الوطن كل صباح،

ثم يعدّون النقرات كما يُعدّ المقامر أرباح ليلةٍ خاسرة…

ويتوهم أنه ربح.

ملايين الزيارات؟

وماذا بعد؟

هل صار الرقم شهادة نزاهة؟

هل أصبح الموقع ميزان عدل؟

منذ متى تحوّل "زرّ الإعجاب" إلى صكّ براءة؟

بعض المواقع لا تعيش على الحقيقة؛

الحقيقة تفضحها سريعًا.

إنها تعيش على الإثارة،

تقتات على القلق،

وتتنفّس من رئة الشائعة.

تبحث عن خطأٍ صغير،

تنفخه حتى يبدو إعصارًا،

ثم تكتب: "انهيار شامل!"

إنهم لا يبيعون خبرًا…

بل يجنون المال من إعلاناتٍ مشبوهة تُنصب كمصائد لفضول المشاهدين.

لا يقدّمون حقيقة…

ولا يصنعون رأيًا…

بل يصنعون سرابًا كثيفًا بلا ملامح، يتكاثر فيه الوهم ويضيع فيه المعنى.

كلما تعافى قطاع،

ضاق بهم الأفق.

يفتشون عن خدشٍ في الجدار ليعلنوا سقوط البيت.

"انظروا… هذا هو الوطن!"

كأن الوطن لا يُرى عندهم إلا من زاوية الكسر.

كثيرون يدخلون لا ليؤمنوا… بل ليتفرّجوا.

لا ليصدّقوا… بل ليقيسوا عمق السقوط.

الزيارة هنا ليست تصويتًا، بل جولة في معرض الرداءة.

المحتوى السلبي لم يعد يحتاج عقلًا؛ يكفي أن يُلقى إلى الذكاء الاصطناعي، فيقذفه عنوانًا مسمومًا.

عنوانٌ صادم، صورةٌ مبتورة، جملةٌ حادة… تكفي لتدفع آلافًا إلى النقر.

الخوارزميات لا تسأل عن الصدق؛ تسأل عن مدة البقاء وعدد التعليقات. وكلما اشتد الفضول، تضخّم الرقم.

ثم تأتي المفارقة الأكثر فجاجة:

حين يُردّ عليهم بالوثائق والأدلة،

حين تُقدَّم الحقائق لا الشعارات،

لا نجد نقاشًا… بل نجد حظرًا.

منصّة تدّعي الشفافية، لكنها تضيق بالمستند.

تتباهى بالرأي، لكنها ترتجف أمام الوثيقة.

تفتح بابها للاتهام، وتغلقه في وجه البرهان.

وهنا تنكشف الصورة:

من يثق بمحتواه لا يخشى التعقيب،

ومن يملك الحقيقة لا يحذف الدليل.

لكن هل يعني هذا أن صورة الوطن اهتزّت؟ كلا.

الصراخ قد يملأ الفضاء لساعات، لكنه لا يصنع تاريخًا.

الموجة العالية لا تعني أن البحر عميق.

الدول لا تضعف لأن موقعًا يصرخ؛ بل يسقط الموقع حين يفقد قيم الأخلاق.

من يظن أن الشاشة حصن،

وأن الحدود الافتراضية درع،

سينتبه أن الدولة حين تقرر،

لا تغلق حسابًا فحسب…

بل تغلق باب الفوضى نفسه.

هذه ليست قصة موقعٍ يبحث عن زيارات،

بل قصة زمنٍ صار فيه تشويه مؤسسات الوطن عملةً رائجة،

وصار التشكيك صناعة،

وصار العبث بصورة الوطن تجارةً مربحة.

لكن التاريخ لا يُكتب بعدّاد،

ولا يُحفظ في خادمٍ إلكتروني،

ولا يُختزل في عنوانٍ مثير.

الشاشة مزدحمة بالملايين،

والرأسُ خاوٍ كطبلٍ أجوف.

الانتشار ليس معيار القيمة، كما أن كثرة الصراخ ليست دليلًا على الصواب.

والرقم - مهما تضخّم - لا يحوّل الخطأ إلى حقيقة، ولا يمنح السراب جذورًا.

يبقى الوطن أعمق من منشور، وأرسخ من عنوانٍ مثير، وأكبر من عدّادٍ يلمع في زاوية شاشة.

قد يملكون الأرقام…

لكن الوطن يملك البقاء.

الوطن لا يُقاس بعدد من شتموه،

بل بعدد من تعبوا لأجله بصمت.

سيبقون يعدّون النقرات…

ويتوهمون أنهم يُسقطون دولةً،

بينما يسقط وهمُهم… وتسقط أخلاقُهم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/02 الساعة 12:02