التعريب في ذكراه السبعين

العميد المتقاعد حسن فهد أبو زيد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/01 الساعة 22:38
الجيشُ سياجُ الأردن المنيع، وصوته الصادح، ورمزُ قوته وعزته، وعنوان فخاره. وفي هذه الأيام تصادف الذكرى السبعون لتعريب قيادة الجيش العربي الأردني، ذلك القرار التاريخي الذي شكّل محطةً مفصلية في مسيرة الدولة الأردنية الحديثة.

الجذور الأولى للجيش العربي

يستمدّ الجيش العربي الأردني أصالته من جيش الثورة العربية الكبرى عام 1916، إذ تشكّلت نواته قبل قيام الدولة الأردنية الحديثة. ومع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921، بدأت تتبلور النواة الأولى للقوات المسلحة، فكانت البداية بقوات البادية وحرس الحدود، لحماية الإمارة الفتية وتثبيت أركانها، وقد تألفت من رجال العشائر الأردنية والعربية الذين شاركوا في الثورة.

وفي 25 أيار 1923، نالت الإمارة استقلالها في عهد الأمير عبدالله الأول ابن الحسين، الذي قاد مسيرة بناء الدولة، فشهدت القوات المسلحة تطوراً تدريجياً في التدريب والتسليح، حتى أُعلنت المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946، ونودي بالأمير عبدالله ملكاً مؤسساً في الخامس والعشرين من أيار من العام ذاته. ومنذ ذلك الحين، أولى الملك المؤسس جلّ اهتمامه للجيش العربي، فعمل على تطويره وتعزيز بنيته.

وبعد عامين فقط من الاستقلال، خاض الجيش العربي معارك عام 1948 دفاعاً عن فلسطين في القدس واللطرون وباب الواد، رغم أن قيادته آنذاك كانت بيد ضباط أجانب قيّدوا حرية القرار العسكري وحدّوا من توسيع نطاق العمليات.

من الوحدة إلى قرار التعريب

في عام 1950 تحققت الوحدة بين الضفتين الشرقية والغربية، وفي العام ذاته استشهد الملك المؤسس عبدالله الأول على عتبات المسجد الأقصى المبارك في 20 تموز. وتسلم الملك طلال الحكم عام 1951 لفترة قصيرة، قبل أن يتولى جلالة الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية في الثاني من أيار 1953.

ومنذ تسلمه سلطاته وهو في ريعان الشباب، بدأ الحسين مسيرة تحديث وتطوير القوات المسلحة. غير أن وجود قيادة أجنبية على رأس الجيش، ممثلة بالجنرال جون كلوب باشا، شكّل عائقاً أمام التطوير الحقيقي، سواء في مجالات التحديث أو ترفيع الضباط الأردنيين.

ومن هنا جاءت الفكرة الجريئة: تعريب قيادة الجيش. ففي الأول من آذار عام 1956، اتخذ الملك الحسين قراره التاريخي بإعفاء القيادة الأجنبية، ليكون ذلك اليوم من الأيام الخالدة في تاريخ الأردن.

خطاب القائد وردّة الفعل الشعبية

عبر أثير إذاعة عمّان، وفي تمام الساعة السابعة صباحاً، وجّه الملك الحسين خطاباً تاريخياً إلى الضباط والجنود، أكد فيه أن القرار جاء خدمةً للوطن والجيش، ومتوخياً مصلحة الأمة وإعلاء كلمتها، داعياً إلى النظام والطاعة والعمل من أجل رفعة البلاد.

وفي اليوم التالي، غادرت القيادة الأجنبية الأردن، لتؤول قيادة الجيش إلى اللواء راضي عناب بعد ترفيعه، لتصبح القيادة عربية أردنية خالصة.

استقبل الشعب الأردني القرار بفرح عارم، وخرجت الجماهير إلى قصر بسمان العامر تهتف للملك، معتبرة القرار تتويجاً حقيقياً للاستقلال السياسي والعسكري، وبداية مرحلة جديدة من السيادة الوطنية الكاملة.

أصداء القرار عربياً ودولياً

أحدث قرار التعريب صدى واسعاً على المستويين العربي والدولي، إذ عُدّ خطوةً جريئة أنهت آخر مظاهر النفوذ الاستعماري في المؤسسة العسكرية الأردنية، ورسّخت استقلال القرار الوطني.

وتفاوتت ردود الفعل الدولية بين الدهشة والانفعال، فيما لقي القرار ترحيباً واسعاً في الشارع العربي والصحافة العربية، التي اعتبرته تعبيراً أصيلاً عن إرادة التحرر والكرامة والسيادة.

لقد شكّل التعريب سفراً مضيئاً في سجل الهاشميين، وانتصاراً للإرادة الوطنية، ومحطةً مفصليةً عززت مكانة الأردن في محيطه العربي والدولي.

المسيرة مستمرة

واليوم، ونحن نستذكر هذه المناسبة الخالدة، نترحّم على معرّب الجيش، جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، الذي صنع مجد المؤسسة العسكرية ورسّخ استقلالها.

كما نتطلع إلى مسيرة التطوير والتحديث في عهد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، الذي يواصل دعم الجيش العربي وتسليحه بأحدث التقنيات، ويحرص على تحديث بنيته وهيكليته بما يواكب التطورات العالمية.

وقد وجّه جلالته بإعداد استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة الأردنية الجيش العربي خلال السنوات الثلاث المقبلة، تأكيداً على أن مسيرة التعريب التي بدأت عام 1956 لم تكن نهاية المطاف، بل كانت بداية نهجٍ متجددٍ عنوانه الاعتماد على الذات، وتعزيز الكفاءة، وصون سيادة الوطن.وبدأت القوات المسلحة لتنفيذ ما جاء بهذه الرسالة بما يجعل جيشنا العربي يواكب كل الأساليب الحديثة في التطوير والتحديث والقتال حسب التكنولوجيا الحديثة وبما ينسجم مع الأمن السيبراني والتكنولوجيا الحديثة بالقتال والتي تعتمد على النوع وليس الكم ...

حفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية، وجيشه العربي المصطفوي، درع الوطن وسيفه البتار وسياحه المنيع.....
مدار الساعة ـ نشر في 2026/03/01 الساعة 22:38