أبو لبن يكتب: سجون الشيطان.. حين تتحول الذاكرة إلى دراما
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 11:33
إنّ عرض مسلسل "سجون الشيطان" هو استدعاء لذاكرة لم تفقد حرارتها بعد. فالمسلسل في حلَقاتِه الست الأولى، يتقدّم بوصفه شهادة فنية على زمنٍ مضطرب، حيث كانت الحياة اليومية في سوريا تسير على حافة الخوف، وحيث تحوّلت التفاصيل الصغيرة: العرس، الطريق، الحاجز، المكالمة الهاتفية.. إلى احتمالات مفتوحة على الكارثة.
في ثلاثية "درب الألم" لا يبدأ الحدث من السياسة، بل من العاطفة. فتاة تستعد ليوم زفافها، بيت يتهيأ لاستقبال الفرح، عائلة تنشغل بتفاصيل بسيطة. غير أن السرد يقلب المعادلة فجأة، لتغدو البراءة نفسها تهمة، والفرح باباً إلى الاعتقال. بهذا التحوّل، يضع العمل المشاهد أمام سؤال قاسٍ: ماذا يحدث حين تفقد الحياة قواعدها، ويصبح المصير رهنًا بقرار أمني عابر؟
اللافت أن العمل لا يتكئ على مشاهد الصدمة وحدها، بل يبني عالمه عبر رصد مناخ عام. الحيّ في حمص ليس خلفية محايدة، بل كائن حيّ يتنفس القلق. الوجوه متحفزة، النوافذ نصف مفتوحة، والكلمات تُقال همسًا. داخل هذا المناخ، يتحول التمرّد إلى فعل وجودي، لا إلى شعار. تمرّد المعتقلين في نهاية الثلاثية لا يُرسم كملحمة منتصرة، بل كصرخة أخيرة في وجه جدار صلب، صرخة تدفع ثمنها غاليًا، لكنها تظل شاهدًا على أن الإرادة لم تُسحق بالكامل.
يحمل حضور (غسان مسعود) ثقلًا دراميًا يمنح الشخصيات وقارًا داخليًا، بينما تضفي (دانا مارديني) حساسية خاصة على ملامح الألم والانتظار. الأداء هنا لا يصرخ، بل يهمس؛ لا يندفع نحو الانفعال المفرط، بل يراكم توترًا داخليًا ينعكس في النظرات والصمت. هذه المقاربة تجعل الحكاية أكثر صدقية، وأبعد عن التقريرية.
استدعاء اسم (عبد الباسط الساروت) يُضفي على السرد بعدًا رمزيًا يتجاوز الحدث الدرامي. فالساروت، بوصفه صوتًا خرج من الملاعب إلى الساحات، يمثل انتقال الحلم من الفردي إلى الجماعي. حضوره في سياق العمل ليس توثيقًا بقدر ما هو إشارة إلى أن الفن والواقع تداخلا في لحظة تاريخية واحدة، وأن الصوت الذي ارتفع في الشارع لا يزال يجد صداه في الشاشة.
أما ثلاثية "أوكسجين" فتفتح زاوية مختلفة للرؤية. هنا لا نتتبع ضحية مدنية فحسب، بل ضابطًا يواجه امتحانًا أخلاقيًا حاسمًا. الأمر العسكري بقصف حيّ سكني لا يُعرض كمشهد حرب تقليدي، بل كمفترق داخلي بين الطاعة والضمير. اختيار الانشقاق ليس قفزة بطولية، بل انزلاقًا إلى منطقة مجهولة: هروب، تنكر، خوف دائم، وأسئلة لا تنتهي حول المستقبل.
تكمن أهمية هذا المسار في أنه يكسر الصورة الأحادية. فالمسلسل لا يقسّم العالم إلى أبيض وأسود، بل يعرض أفرادًا عالقين داخل منظومة أكبر منهم. الضابط الذي يرفض القصف لا يتحرر فورًا، بل يدخل في سجن آخر: سجن المطاردة والقلق والتوجس. وهنا يصبح "الأوكسجين" استعارة لشيء هشّ، ضروري، لا يُرى لكنه يمنح الحياة معناها.
من الناحية الفنية، يستثمر العمل الإضاءة المعتمة والزوايا الضيقة ليخلق إحساسًا دائمًا بالاختناق. حتى في المشاهد الخارجية، يبدو الفضاء محدودًا، كأن السماء نفسها منخفضة. الموسيقى تأتي مقتصدة، تترك للصمت مساحته، وكأن الصمت ذاته شهادة إضافية على ما لا يُقال.
ما يميز هذه الحلقات أنها لا تكتفي بإدانة مرحلة، بل تطرح أسئلة تتجاوزها: كيف يُصنع الخوف؟ وكيف يُقاوَم؟ وهل يمكن للفرد أن يحتفظ بإنسانيته حين يُجبر على الاختيار بين الأمان والحق؟ في هذا المعنى، يتحول "سجون الشيطان" إلى نصّ مفتوح على التأويل، يتيح لكل مشاهد أن يرى فيه مرآته الخاصة.
العمل لم يعد فقط حكاية عن سنوات مضت، بل جزءًا من نقاش مستمر حول الذاكرة والمساءلة ودور الفن في مواجهة النسيان. وبين "درب الألم" و"أوكسجين" يتشكّل خطاب درامي يقول إن الاستبداد قد يفرض صمته زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يمنع الحكاية من أن تُروى، ولا الذاكرة من أن تستعيد صوتها، ولو بعد حين.
في ثلاثية "درب الألم" لا يبدأ الحدث من السياسة، بل من العاطفة. فتاة تستعد ليوم زفافها، بيت يتهيأ لاستقبال الفرح، عائلة تنشغل بتفاصيل بسيطة. غير أن السرد يقلب المعادلة فجأة، لتغدو البراءة نفسها تهمة، والفرح باباً إلى الاعتقال. بهذا التحوّل، يضع العمل المشاهد أمام سؤال قاسٍ: ماذا يحدث حين تفقد الحياة قواعدها، ويصبح المصير رهنًا بقرار أمني عابر؟
اللافت أن العمل لا يتكئ على مشاهد الصدمة وحدها، بل يبني عالمه عبر رصد مناخ عام. الحيّ في حمص ليس خلفية محايدة، بل كائن حيّ يتنفس القلق. الوجوه متحفزة، النوافذ نصف مفتوحة، والكلمات تُقال همسًا. داخل هذا المناخ، يتحول التمرّد إلى فعل وجودي، لا إلى شعار. تمرّد المعتقلين في نهاية الثلاثية لا يُرسم كملحمة منتصرة، بل كصرخة أخيرة في وجه جدار صلب، صرخة تدفع ثمنها غاليًا، لكنها تظل شاهدًا على أن الإرادة لم تُسحق بالكامل.
يحمل حضور (غسان مسعود) ثقلًا دراميًا يمنح الشخصيات وقارًا داخليًا، بينما تضفي (دانا مارديني) حساسية خاصة على ملامح الألم والانتظار. الأداء هنا لا يصرخ، بل يهمس؛ لا يندفع نحو الانفعال المفرط، بل يراكم توترًا داخليًا ينعكس في النظرات والصمت. هذه المقاربة تجعل الحكاية أكثر صدقية، وأبعد عن التقريرية.
استدعاء اسم (عبد الباسط الساروت) يُضفي على السرد بعدًا رمزيًا يتجاوز الحدث الدرامي. فالساروت، بوصفه صوتًا خرج من الملاعب إلى الساحات، يمثل انتقال الحلم من الفردي إلى الجماعي. حضوره في سياق العمل ليس توثيقًا بقدر ما هو إشارة إلى أن الفن والواقع تداخلا في لحظة تاريخية واحدة، وأن الصوت الذي ارتفع في الشارع لا يزال يجد صداه في الشاشة.
أما ثلاثية "أوكسجين" فتفتح زاوية مختلفة للرؤية. هنا لا نتتبع ضحية مدنية فحسب، بل ضابطًا يواجه امتحانًا أخلاقيًا حاسمًا. الأمر العسكري بقصف حيّ سكني لا يُعرض كمشهد حرب تقليدي، بل كمفترق داخلي بين الطاعة والضمير. اختيار الانشقاق ليس قفزة بطولية، بل انزلاقًا إلى منطقة مجهولة: هروب، تنكر، خوف دائم، وأسئلة لا تنتهي حول المستقبل.
تكمن أهمية هذا المسار في أنه يكسر الصورة الأحادية. فالمسلسل لا يقسّم العالم إلى أبيض وأسود، بل يعرض أفرادًا عالقين داخل منظومة أكبر منهم. الضابط الذي يرفض القصف لا يتحرر فورًا، بل يدخل في سجن آخر: سجن المطاردة والقلق والتوجس. وهنا يصبح "الأوكسجين" استعارة لشيء هشّ، ضروري، لا يُرى لكنه يمنح الحياة معناها.
من الناحية الفنية، يستثمر العمل الإضاءة المعتمة والزوايا الضيقة ليخلق إحساسًا دائمًا بالاختناق. حتى في المشاهد الخارجية، يبدو الفضاء محدودًا، كأن السماء نفسها منخفضة. الموسيقى تأتي مقتصدة، تترك للصمت مساحته، وكأن الصمت ذاته شهادة إضافية على ما لا يُقال.
ما يميز هذه الحلقات أنها لا تكتفي بإدانة مرحلة، بل تطرح أسئلة تتجاوزها: كيف يُصنع الخوف؟ وكيف يُقاوَم؟ وهل يمكن للفرد أن يحتفظ بإنسانيته حين يُجبر على الاختيار بين الأمان والحق؟ في هذا المعنى، يتحول "سجون الشيطان" إلى نصّ مفتوح على التأويل، يتيح لكل مشاهد أن يرى فيه مرآته الخاصة.
العمل لم يعد فقط حكاية عن سنوات مضت، بل جزءًا من نقاش مستمر حول الذاكرة والمساءلة ودور الفن في مواجهة النسيان. وبين "درب الألم" و"أوكسجين" يتشكّل خطاب درامي يقول إن الاستبداد قد يفرض صمته زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يمنع الحكاية من أن تُروى، ولا الذاكرة من أن تستعيد صوتها، ولو بعد حين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/28 الساعة 11:33