رمضان وتقليص الفضول

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/26 الساعة 19:05
نقف جميعًا في موسم الصيام أمام تجربةٍ تعيد صياغة جيناتنا الروحية، كأنّنا ندخل مختبرًا سماويًا تُعاد فيه معايرة الداخل، يُخيَّل إلينا أن الصيام آلةُ ضغطٍ روحيّ تعمل في أعماقنا، مكبسًا يعصر فائض الفضول المتراكم في أيامنا، فيتصاعد بخاره وتبقى خلاصة الروح أكثر صفاء. هو محراثٌ يشقّ تربة القلوب لتتهيأ لغرسٍ جديد، ومصفاةٌ تنخل شوائب المشاعر، وعدسةٌ تضبط بؤرة البصيرة بعد طول ارتباك. وحين يتقلّص فضول الطعام يرقّ الإحساس، ويغدو الجسد أخفّ، كريشةٍ أدركت مسار الريح، وكزورقٍ ألقى عن كتفيه حمولةً أثقلت سيره. وحين نُحكم فضول الخلطة يتماسك الوعي، وتنتظم الأفكار كما تنتظم الإبرة في اتجاهها. وحين نُقنّن فضول النظر والسماع وتصفح الإنترنت يتسع في الصدور مجالٌ أرحب، فنشعر بامتدادٍ داخلي يشبه قبةً عالية يصفو فيها الصدى. الفضول فينا طبقاتٌ من عتمة؛ سخامٌ على زجاج الرؤية، وغبارٌ على مرآة البصيرة، وطلاءٌ كثيف يحجب اللون الأصيل. ومع كل تقليصٍ منها تندلع شرارة نور، وتتساقط طبقة، وتنفتح نافذة، ويصفو هواء الروح. وقد لخّص الحارث المحاسبي هذا المعنى بكلمة جامعة حين قال: «ولا زاد أبلغ من التقوى، وما رأيت أنفى للوسواس من ترك الفضول، ولا أنور للقلب من سلامة الصدر»، فكأن الصيام يترجم هذه الحكمة إلى سلوكٍ يوميّ، ويحوّل التقوى من موعظةٍ مسموعة إلى تجربةٍ معاشة. ويجتمع صوت الحكماء مع صوت الزهّاد في تقرير هذه القاعدة؛ فقد كتب ملك نجران إلى أكثم بن صيفي جوابًا موجزًا لمن سأله النفع فقال: «إن أحمق الحمق الفجور، وأمثل الأشياء ترك الفضول». فالتاريخ الأخلاقي للأمة يعيد العبارة نفسها بصيغ شتّى: ترك الفضول مفتاح الصفاء، وتقليصه بداية الرشد. لذا كان رمضان شهر القرآن؛ لأن بنيته التعبدية ورشةُ إعادة تشكيلٍ لنا جميعًا. فالصيام يقلّص فضول الطعام والشراب والنكاح، فيخفّ الجسد ويعلو الحسّ، والاعتكاف يقلّص فضول الخلطة والكلام، وهنا يتحول الداخل إلى ساحةٍ ممهدة، وأرضٍ مسوّاة، وفضاءٍ مفتوح لنزول المعاني، فيدخل القرآن إلى القلوب دخول الضوء إلى بيتٍ كُشفت نوافذه، ويستقر فيها استقرار الماء في قرار الوادي، فتنبثق حياةٌ أصدق، وبصيرةٌ أصفى، وسكينةٌ أعمق.

رابط المادة: http://iswy.co/e2kv8s
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/26 الساعة 19:05