الدويري تكتب: الضمان الاجتماعي.. الأزمة ليست في الرواتب… بل في شكل الاقتصاد الأردني.. فما هي الخيارات؟

نور الدويري
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/25 الساعة 00:09
يُعد ملف الضمان الاجتماعي من الملفات الاقتصادية الحساسة، نظراً لتأثيره المباشر على شريحة واسعة من المواطنين وعلى الاستقرار المالي طويل الأمد، ومع طرح التعديلات الأخيرة، انحصر النقاش العام في تساؤلات تتعلق برفع نسب الاشتراكات أو تعديل سن التقاعد، خاصة في ظل توقعات تشير إلى ضغوط مالية قد تبدأ بالظهور خلال العقد القادم وتمتد آثارها حتى منتصف القرن.

وفي ظل تحديات اقتصادية قائمة، مثل معدلات البطالة وتفاوت الدخول وارتفاع كلف المعيشة، يبدو من الطبيعي أن الجدل مركز حول أثار مقترح التعديل الجديد على القانون على المشتركين، إلا أنه بعد قراءة للدراسة الاكتوارية الأخيرة تشير إلى أن المسألة أعمق من كونها مجرد تعديل نسب أو أعمار، إذ تعكس مؤشرات ديموغرافية واقتصادية متشابكة ومعقدة، أبرزها تزايد أعداد المتقاعدين وارتفاع متوسط العمر، مقابل تباطؤ نمو قاعدة المشتركين، تماما مثل مشكلة البطاله في الأردن والتي أساسها ارتفاع عدد الخريجين والباحثين عن العمل مقابل قدرة السوق على خلق فرص عمل مما يزيد العبء في حل هذه القضيه المؤرقه لنبدو اليوم امام تفاصيل اقتصادية جديدة بصورة (الضمان الاجتماعي)

من هنا، قد يكون من المفيد إعادة صياغة السؤال المطروح: ليس فقط كيف نوازن بين الاشتراكات والمنافع، بل كيف نوسع القاعدة المنتجة بما يعزز استدامة النظام دون تحميل الأعباء على نفس الفئة.

أولاً: تمكين المشتركين الحاليين

الحديث عن الإصلاح يجب ألا يقتصر على تقليل المنافع أو رفع سن التقاعد، بل يجب أن يشمل حماية المشترك نفسه من مخاطر المستقبل.

بمعني ان نطرح سؤالا على أنفسنا لماذا لا ننتقل من نموذج “موظف يعتمد كلياً على راتب تقاعدي” إلى نموذج “موظف لديه مصدر دخل إضافي”؟

ثم تمكين المشتركين الحاليين لامتلاك مشاريع صغيرة أو أنشطة خدمية مساندة يمكن أن يحقق ثلاث نتائج:

1. دخل إضافي يحميهم من أي تعديلات مستقبلية في التقاعد.

2. تحفيز الاقتصاد الداخلي عبر زيادة الإنتاج المحلي.

3. خلق وظائف جديدة تسجل في الضمان وتوسع القاعدة التمويلية.

المطلوب هنا ليس تشجيع العشوائية، بل تصميم برامج تمويل ميسّرة، بفوائد منخفضة وفترات سماح حقيقية، تستهدف قطاعات ذات طلب فعلي في السوق، مع ربطها بالتدريب والاحتضان والمتابعة، وهذا يساهم ليس، فقط باستيعاب الخطوة التصحيحه بل الإنتقال لنمط تفكير جديد يتمثل في ماذا بعد الوظيفه ماذا بعد التقاعد كيف لا نعتمد على الراتب فقط؟! .

فإذا نجحت الحكومة في زيادة عدد المشتركين المنتجين بنسبة 10–15٪ خلال 10 سنوات، سيصبح الصندوق أكثر استقراراً.”

بمعنى ان كل 1000 مشترك جديد يساهمون بـ 1.2 مليون دينار سنوياً تقريباً في إيرادات الضمان، بحيث يمكن ان لا يكون الإصلاح فقط بحسابات الاكتواريين، بل بتمكين الأفراد.

ثانياً: زيادة عدد المشتركين… لا زيادة نسبهم

جوهر أزمة الضمان أن عدد الدافعين لا ينمو بما يكفي.

إذاً الحل المنطقي: زيادة عدد الدافعين.

فكيف تفعل الحكومة ذلك ؟ يمكن ان يأتي ذلك من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة بشروط واقعية، وتخفيف التعقيد الإداري أمام رواد الأعمال، والسماح بإطلاق حاضنات أعمال حقيقية مرتبطة بالتمويل والتشغيل في عدة مؤسسات مهمة مثل مؤسسة التدريب المهني، الجامعات والكليات، مدارس التدريب المهني، المؤسسات الكبرى، بالإضافة إلى ضرورة ربط أي دعم حكومي بتسجيل العاملين في الضمان مما سيزيد من عنصرين عدد المشتركين وعجلة الاقتصاد والتي ستنعكس على عدة قطاعات وترفع القرى الشرائية مما ينعش الاقتصاد بشكل متوازن .

اي انه وفق تقديرات ميدانية، يمكن لمشاريع صغيرة أن تخلق 50–100 وظيفة جديدة لكل 100 مشروع ناجح.

إذن اذا نجحنا خلال 15 سنة في رفع نسبة المشتركين المنتجين، فسنكون قد عالجنا جذور المشكلة، لا أعراضها.

ثالثاً: الاستثمار الذكي… لا المغامرة

صحيح أن الاستثمار وحده لا يحل الخلل الديموغرافي، لكنه عنصر مهم في التخفيف من الضغط، لذلك سنكون أمام عدة خيارات موسعه منها : تنويع جغرافي في أسواق مستقرة، و تحقيق عوائد معتدلة ومستدامة (5–6%).

بالإضافة إلى عدم تحويل أموال التقاعد إلى أدوات مضاربة عالية المخاطر مثل استثمار في أسواق عالمية مستقرة، الاستثمار في الطاقه الشمسيه وفمثلا الاستثمار بالطاقه الشمسيه.

لان الهدف ليس أعلى ربح ممكن، بل استقرار طويل الأمد.

بالمحصلة إصلاح الضمان لا يبدأ من نسب الاقتطاع،

بل من نسب التشغيل، لذلك المعادلة ليست:

كيف نقتطع أكثر؟ بل، كيف ننتج أكثر؟

بمعنى اذا تعاملنا مع الأزمة كفرصة لإعادة تحريك الاقتصاد، وتمكين المشتركين، وتوسيع قاعدة المنتجين، يمكن أن يتحول ملف الضمان من عبء سياسي إلى مشروع وطني لإعادة بناء الثقة والاستدامة.

الضمان ليس صندوق أرقام فقط، هو مرآة لصحة الاقتصاد كله، لذلك يمكن أن ينجح التدرج الذي قدمته الحكومة اليوم ولربما توقفت عند حد معين من التدرج اذا ما ارتفع عدد المشتركين وارتفع نمو استثمار الضمان.

* هذا المقال لا يشكل رأي شخصيا بالقانون، إنما نموذج تحليلي للقانون وابعاده والخيارات الممكنة .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/25 الساعة 00:09