بطاح يكتب: هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن الولايات المتحدة؟

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/24 الساعة 11:25
في ضوء تصاعد الخلاف مؤخراً بين الولايات المتحدة برئاسة ترامب وأوروبا يتبادر السؤال الآتي إلى أذهان المحللين والمتابعين وهو: هل تستطيع أوروبا الاستغناء عن الولايات المتحدة؟ إنّ الإجابة على هذا السؤال تقتضي منا الإشارة إلى أنّ الدول الأوروبية تنتظم في حلف شمال الأطلسي (الناتو) منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، وهي في الواقع تعيش تحت المظلة النووية الأمريكية حيث لا توجد في أوروبا سوى قوتين نوويتين هما بريطانيا وفرنسا، وكل منهما ليس لديه سوى (300) رأس نووي وهذا متواضع تماماً في مواجهة روسيا التي تشمل ترسانتها النووية الاستراتيجية (6000) رأس نووي استراتيجي ناهيك عن الأسلحة الذرية التقليدية!

وبالإضافة إلى الحقيقة السابقة التي أشرنا إليها وهي ضآلة الأسلحة النووية الأوروبية في مواجهة الأسلحة النووية الروسية فإنّ هناك أسباباً أخرى تجعل من انفكاك أوروبا عن الولايات المتحدة في المجال الدفاعي أمراً عسيراً تماماً ولعلّ أهمها:

أولاً: كثرة الدول الأوروبية وتضارب المصالح فيما بينها فمعظمها أعضاء في الاتحاد الأوروبي، بينما بريطانيا خارجه، وليس سراً أن بريطانيا كانت على الدوام ذات علاقة خاصة مع الولايات المتحدة على عكس بعض الدول الأوروبية الأخرى التي نجحت تاريخياً إلى الاستقلال عنها كفرنسا التي انسحبت من حلف الناتو في عهد الجنرال ديغول.

ثانياً: وجود حساسية مشهودة بين الدول الأوروبية نحو "العسكرة" وبالذات من قبل فرنسا إزاء ألمانيا، الأمر الذي يؤخر عملياً بناء جيش أوروبي مستقل يضمن حماية أوروبا حيث سيعتمد هذا الجيش أساساً على ألمانيا لما لها من ثقة بشري واقتصادي داخل أوروبا.

ثالثاً: انحياز دول شرق أوروبا (التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفيتي سابقاً) إلى الولايات المتحدة ورغبتها في استمرار التحالف معها عكس التوجه الأوروبي العام وذلك بسبب قربها من روسيا (بولندا، رومانيا...) وخبرتها التاريخية مع "الدب الروسي" الذي حكمها طويلاً بيد من حديد.

رابعاً: تراجع الوضع الاقتصادي في أوروبا وعدم قدرتها على بناء قوة عسكرية (وبالذات في المجال النووي الإستراتيجي) مكافئ لعدوها التقليدي وهو روسيا، وقد تبدت هذه المشكلة الأوروبية بوضوح بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية حيث عانت أوروبا كثيراً بسبب انقطاع النفط والغاز الروسيين، كما تبدت أيضاً حين طالب الرئيس الأمريكي ترامب الدول الأوروبية برفع نسبة مساهمتها في موازنة الناتو بحيث تصل إلى (5%) من الناتج المحلي الإجمالي وكل دولة، حيث تجلى تماماً أنّ من الصعوبة بمكان أن تحقق الدول الأوروبية هذه النية في الوقت المقرر.

خامساً: "الاتكالية" التاريخية التي ميزت أوروبا في علاقاتها مع الولايات المتحدة في المجال الدفاعي، حيث لم تبذل الجهود المطلوبة منذ الحرب العالمية الثانية لبناء قواتها الذاتية في هذا المجال، وقد تبين ذلك بعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية في عام 2022 حيث عجزت هذه الدول عن دعم أوكرانيا بالأسلحة اللازمة بسبب نقص مخزونها الاستراتيجي من الذخائر بأنواعها المختلفة، ولعلّنا لا نبالغ إذا قُلنا بأنه لولا الولايات المتحدة وضخها الكثير من الأسلحة والمعلومات الاستخبارية لصالح أوكرانيا لما كان بإمكان هذه الأخيرة أن تصمد في وجه روسيا، ومن الجدير بالذكر أنّ الولايات المتحدة كانت تقدم هذا الدعم (السلاح والمعلومات) مجاناً لأوكرانيا في عهد "بايدن"، أما في عهد "ترامب" فقد بدأ ببيعه إلى أوروبا لكي تحوله بدورها إلى أوكرانيا!

وباختصار فإنّ أوروبا لا تستطيع في الظروف الحالية الاستغناء عن الولايات المتحدة وبالذات في مجال الدفاع النووي الاستراتيجي، ولذا فإنّها يمكن أن تلجأ إلى تدعيم قواتها العسكرية التقليدية وتكثيف التنسيق فيما بين جيوشها كبديل معقول وممكن وبالتأكيد مع رفع نسبة مساهمتها في حلف "الناتو" حيث لم تعد الولايات المتحدة مقتنعة أو راغبة في تحمل معظم الكلفة الدفاع عن (32) دولة في الناتو، وبخاصة أن الرئيس الأمريكي الحالي ترامب "رجل أعمال" و "تاجر صفقات" لا يفهم العلاقات الدولية (حتى مع الحلفاء) إلّا من خلال المعادلة الآتية: كم ندفع وكم نسترد؟

إن قَدَر الولايات المتحدة كما قال "روبيو" وزير الخارجية الأمريكية في مؤتمر ميونخ الأخير أن تتحالف مع أوروبا ولكن هذا التحالف يجب أن يكون منصفاً ومن وجهة النظر الأمريكية وترجمة ذلك أنْ تظل الدول الأوروبية تحت حماية المظلة النووية الأمريكية وفي مقابل ذلك تدفع الدول الأوروبية حصتها (5%) من موازنة الحلف ولا بأس في أن تطور قوتها العسكرية بالقدر الذي تراه مناسباً وضرورياً لها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/24 الساعة 11:25