الدلاهمة يكتب: رؤية سمو ولي العهد.. نحو دولة مؤسسات واقتصاد المعرفة

الدكتور جمال الدلاهمة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 21:03
لم يعد مستقبل الأمم يقاس بحجم مواردها الطبيعية أو مدى قدرتها على إدارة الأزمات الآنية فحسب، بل بقدرتها على بناء نظام مؤسسي مستقر قادر على إنتاج التنمية والاستمرار عبر الأجيال، فالتاريخ الحديث يثبت أن بعض الدول التي حققت قفزات حضارية واقتصادية عظيمة لم تبدأ من نقطة الثروة الطبيعية، بل بدأت بقرار سياسي شجاع وإستراتيجية وطنية طموحة جعلت من الإنسان محورًا لمشروع التنمية والتطوير، كما أثبتت ذلك تجربة سنغافورة والتي تمركزت على التنمية البشرية من خلال التركيز على اقتصاد المعرفة كبديل عن اقتصاد الموارد، فركزت على الإستثمار في التعليم التقني، والهندسة، والتكنولوجيا، وخاصة تكنولوجيا المعلومات، والبرمجة، والخدمات الرقمية كرديف للإستثمار في القطاع المالي معتمدة على سلسلة من الإجراءات مثل سرعة إتخاذ القرار، ووضوح الأهداف، والرقابة الصارمة على الاداء متحدية البيروقراطية وطول الإجراءات من خلال الإصلاح الإداري ومحاربة الفساد من خلال العقوبات الرادعة والشفافية المالية والرقابة المستمرة.

الأردن شأنه شأن الدول ذات الإمكانات المحدودة يقف اليوم أمام لحظة تاريخية تتطلب إعادة التفكير في أولويات التنمية بعيدًا عن الحلول المؤقتة أوالمبادرات المتفرقة فالتنمية الحقيقية ليست سلسلة مشاريع منفصلة، بل هي رؤية متكاملية تقوم على بناء مؤسسات فورية واقتصاد معرفي متقدم، من هنا تبرز أهمية رؤية سمو ولي العهد لبناء إستراتيجية وطنية شاملة نحو اقتصاد معرفي متقدم يمثل الشباب الأردني جوهر هذه الرؤية، إن الإصلاح الإداري يمثل نقطة الإنطلاق الأساسية لأي تحول اقتصادي فالمشكلة ليست في تعدد المؤسسات بل في جودة الأداء المؤسسي وقدرة الجهاز الإداري على إتخاذ القرار المناسب بالسرعة والكفاءة اللازمة، التحول الرقمي للخدمات الحكومية والذي تتبناه الحكومة الأردنية محققة عدة نجاحات مميزة أثبت بالدليل القاطع أن التكنولوجيا الرقمية لم تعد خيارًا ترفيًا بل أصبح ضرورة اقتصادية وإجتماعية تقلل من البيروقراطية وتحد من فرص الفساد وتعزز الثقة بين الدولة والمواطن.

لا يمكن الحديث عن المستقبل دون وضع التعليم في قلب مشروع التنمية الوطنية للتوجه إلى اقتصاد المعرفة فالأردن يمتلك ثروة بشرية شابه ومتعلمة تعليمًا متميزًا لكن هذه الثروة لا يتم إستغلالها بالشكل والكم المطلوب من أجل تحويلها إلى قوة اقتصادية، ولذلك تبرز أهمية تطبيق رؤية سمو ولي العهد لتطوير التعليم التقني وربط المناهج بعصر الذكاء الإصطناعي وتحليل البيانات بحيث يصبح الخريج الأردني قادرًا على المنافسة في سوق العمل المحلي والإقليمي والعالمي، فقد أثبت الخريج الأردني أنه قادر على أن يكون علاقة فارقة في مجال تطوير برامج تكنولوجيا المعلومات والإقتصار المعرفي، كل ما يلزمنا أن نكون قادرين على تحويل طاقات الشباب الأردني الى إنتاج معرفي وتقني، يضيف قيمة حقيقية للإقتصاد الأردني ويجعل الأردن مركزًا إقليميًا للخدمات الرقمية والإبتكار من خلال عدة مبادرات بإنشاء شركات متخصصة وتطويرها وربطها بإتفاقيات مع شركات عالمية كبرى وتطوير التعليم التقني.

إن بناء الدولة الحديثة لا يعتمد على ضخ الأموال أو إطلاق المبادرات المؤقتة بل على القدرة على خلق نظام مؤسسي يضمن إستمرارية السياسات التنموية بغض النظر عن تغيير الأشخاص أو الظروف الداخلية والخارجية فالدول التي نجحت في مسيرتها الحضارية والتنموية لم تربط مستقبل أجيالها بالحلول اللحظية، بل أقامت مشروعها الوطني على قواعد ثابتة من الحوكمة والشفافية والتعليم والمعرفة، وفي عالم سريع التحول تصبح القدرة على التكيف مع التكنولوجيا والإبتكار هي المعيار الحقيقي لقوة الدولة وإستقرارها الاقتصادي والإجتماعي.

إن الإهتمام بإقتصاد المعرفة لا يعني الإعتماد على مشروع واحد أو قطاع واحد لكن المهم أن يتم تبني إستراتيجية تتولى دعم مجموعة من المشاريع المتوسطة ذات القيمة المضافة مثل الصناعات الدوائية، والزراعة الذكية، والطاقة المتجددة، والسياحة العلاجية، إن الطريق الى المستقبل لا يمر عبر القرارات المتسرعة أو المشاريع الإستعراضية بل عبر رؤية وطنية طويلة المدى نقوم على إستقرار التشريعات وكفاءة الإدارة ومكافحة الفساد الإداري الذي يرفع تكلفة الإستثمار ويضعف تنافسية الاقتصاد ويقلل ثقة المستثمرين فالشفافية ومحاربة البيروقراطية من عوامل نجاح أي خطة اقتصادية مثمرة.

قد لا يملك الأردن ترف التجارب الاقتصادية المكلفة أو الثروات الطبيعية الهائلة، لكنه يمتلك فرص حقيقية لصناعة نموذج تنموي مختلف يعتمد على الإنسان أولًا وعلى المعرفة ثانيًا وعلى المؤسسة القوية ثالثًا.

التقدم الحقيقي ليس معجزة تنتظرها الشعوب بل مسار حضاري يبدأ بخطوات صغيرة ثابتة مسار قادر على تغيير وجه المستقبل اذا توافرت الإرادة والعمل المؤسسي الصادق الذي يساعد في تحقيق رؤية سمو ولي العهد الذي يمثل الأن أملًا للشباب وفي مستقبل أكثر أمانًا وطموحًا.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 21:03