أزمة الشاحنات الأردنيّة: لماذا تحتاج عمّان ودمشق إلى حوكمة تشغيلية؟

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 11:00
مدار الساعة - مريم البطوش (معهد السياسة والمجتمع) -

أصدرت الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية في سوريا بتاريخ 6 شباط/فبراير 2026 قراراً يقيّد دخول الشاحنات الأجنبية (غير السورية) إلى الأراضي السوريّة، مع استثناء محدود للترانزيت ضمن مرافقة جمركية لضمان عدم تفريغ حمولتها داخل الأراضي السورية. ويكرّس القرار عملياً آلية “باك تو باك” (Back to Back) والتي تعني وجوب تفريغ حمولة الشاحنات القادمة في ساحة الجمارك بالمنافذ الحدودية ونقلها إلى شاحنات سورية لتكمل طريقها إلى الداخل السوريّ – وهي صيغة سبق العمل بها في فتراتٍ سابقة- وهو ما يعني كُلفة إضافية ووقتاً أطول في عمليات المناولة.


وتتمحور الإشكالية حول سؤالين: هل يمكن تعميم “باك تو باك” كحلّ لتنظيم سوق النقل داخل سوريا دون أن يفرض كلفة تشغيلية أعلى على الحدود مع الأردن؟ وما شروط التطبيق التي تمنع تحوّل الإجراء إلى اختناقات في سلاسل الإمداد؟

حلٌ للأزمة/استجابةٌ للمطالب أم ترحيلٌ للكُلفة؟

يُمكن فهم القرار السوريّ على أكثر من مستوى. فقد جاء على خلفية إضرابٍ –ليسَ الأوّل من نوعه– لسائقي الشاحنات السوريين، بمطالب تتعلّق بتنظيم سوق العمل من خلال تفعيل مكاتب الدور، والحدّ من الاحتكار، وتفعيل المعاملة بالمثل مع السائقين الأجانب، ومن هُنا قد يُفهم القرار كأداة سريعة لإعادة توزيع فرص العمل لصالح الأسطول السوري الذي يقدّر حجمه بنحو 30 ألف شاحنة يعمل منها حوالي 70% (أي نحو 21 ألف شاحنة) وفق آخر تقدير مُعلن مُتاح، ما يعكس حجم هذا القطاع وثقله وحساسية مطالبه، ولتعزيز ضبط الحركة. ومعالجة مشاكل وقضايا في قطاع النقل السوريّ. إذ يشهد القطاع اليوم أزمةً داخلية مركبّة بتعديلات متكررة على أجور الشحن الداخلي للشاحنات، وبشكاوى متكررة من ارتفاع كُلَف التشغيل نتيجة تقلّبات أسعار المحروقات، وتهالك وقَدِم جزء كبير من الشاحنات البري السوري.

يزيد من ذلك:

قيود النفاذ الإقليمي للأسطول السوري: إذا كان جزء من الشاحنات السورية يواجه صعوبات في دخول أسواق مجاورة لأسباب فنية/تشغيلية (قدم الأسطول، متطلبات التأمين، شروط عبور…)، فقد تسعى الدولة لتعويض ذلك بتمكين الأسطول السوري داخل الحدود بدل الرهان على الترانزيت.

اعتبارات أمنية ورقابية: زيادة نقاط الفحص داخل ساحات الجمارك قد تُقدَّم كإجراء لرفع الرقابة وتقليل مخاطر التهريب. رغم الانخفاض الكبير في نسب التهريب من وإلى سوريا.

غيرَ أن وجاهة الهدف لا تلغي كلفة الأداة إذا طُبِّقت دون شروط نجاح تشغيلية مثل: القدرة الاستيعابية للمنافذ، تجهيزات المناولة، مسارات السلع الحسّاسة، التنسيق مع الشركاء الحدوديين. ورغم ذلك سرعان ما تحوّل القرار إلى قرارٍ خارجي الكُلفة إذ أن كلفته التشغيلية وارتداداته تمتدّ إلى الحدود مع دول الجوار، وفي مقدمتها الأردنّ.

أينَ الكلفة؟

آلية “باك تو باك” تزيد خطوات المناولة، ما يعني زمن انتظار أطول وكلفًا إضافية، ومخاطر أعلى على السلع الحساسة وسريعة التلف. على مستوى العلاقات الأردنية-السورية، يُثير هذا القرار جملة من الإشكاليات؛ على الرغم من كون القرار أُحاديّ الجانب صادر عن الطرف السوري، إلّا أنه يمسّ المصالح المشتركة والاتفاقيات والترتيبات الثنائية المرتبطة بالتبادل التجاري وحركة الشحن عبر الحدود.

إذا تعدّ سوريا سوق استراتيجي مهم للأردن، ليس فقط بحكم الجغرافيا، بل لدورها أيضاً في دعم الصناعات المحلية الأردنية وتوفير فرص تصدير مهمة، إضافةً إلى أنها بوابة للأردن نحو الأسواق الإقليمية الأخرى، ويشكّل نموّ الصادرات الأردنية إليها دعماً لإنتاج الشركات المحلية، وزيادة تدفّق العملات الأجنبية، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي الجزئي في المملكة.

يؤكّد ذلك نسبة صادرات الأردن إلى سوريا إذ بلغت 278 مليون دينار خلال أول 10 أشهر من عام 2025، بمعدل 400 شاحنة يومياً محمَّلة بالبضائع المختلفة، بما في ذلك المواد الغذائية ومواد البناء. وهو ما يعني أنّ أيّ تغيير مفاجئ /اضطراب تشغيلي عند الحدود ذا أثر مباشر على القطاعات المصدّرة، وعلى الزمن والكلفة والالتزام بالعقود، ولا يقتصر أثره على الكلفة والوقت، بل حتى على مستوى “الثقة التشغيلية” بين الطرفين واستقرار حركة الإمداد عبر معبر جابر-نصيب.

القرار أردنيّاً: جدوى النقل واختلال رحلة العودة.

القرار الذي صدر بشكل مفاجئ أربك الأسطول الأردنيّ في الداخل السوري وعلى الحدود، إذ أدّى بطء المناقلة وصدور القرار بشكل مفاجئ إلى مفاقمة أزمة الشحن في معبر نصيب-جابر إذ تكدّست مئات الشاحنات، وتجمّع عدد من السائقين المتأثرين من القرار.

غيرَ أن عمّان سعت رسمياً -على ما يبدو- إلى احتواء تداعيات القرار في الرأي العام والقطاع المتضرر، عبر التأكيد على أن الإجراء السوري يشمل جميع السائقين الأجانب وليسَ الأردنيين فقط، ويمكن فهم ذلك في محاولة من الجانب الأردني لنزع التسييس عن القرار، وتخفيف منطق “الاستهداف” وتجنّب رفع السقف السياسي للأزمة، وترك هامش/مساحة للتفاوض الفني مع الجانب السوري حول آليات التطبيق والاستثناءات. وفي ذات الوقت سارع الأردن إلى الإعلان عن عقد اجتماعات مع الجانب السوريّ لمناقشة القرار وتداعياته. خصوصاً مع تداول أخبارٍ عن تعرّض عدد من السائقين الأردنيين للاعتداء والضرب، وانتشرت مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي لمسلحين يعترضون بعض الشاحنات الأردنيّة. فيما يقدّر رئيس نقابة أصحاب الشاحنات الأردنية محمد خير الداود تضرّر عشرات الشاحنات الأردنية.

إلّا أن موقف قطاع النقل الأردني يتجاوز “زيادة الكلفة” إلى ” أثر المبادلة التجارية”، إذ إن تثبيت الآلية يقلّص عملياً من دور الشاحنة الأردنية إلى إيصال الحمولة حتى ساحة الجمارك، ثم تُستكمل الرحلة داخل سوريا عبر شاحنة سوريّة أخرى. وهو ما يخلق مشكلة تشغيلية معروفة في النقل البري: اختلال رحلة الذهاب/العودة.

فكلما صَعُب على الناقل الأردني تأمين “حمولة عكسية” من الجانب السوري، ارتفعت احتمالات “الرجعة الفارغة” (عودة بلا حمولة)، ما يرفع كلفة الرحلة الكلية ويضغط باتجاه أحد مسارين: رفع أجور الذهاب لتعويض خسارة العودة، أو انسحاب جزء من الأسطول من الخط.

إضافةً إلى ذلك، وهو الأهم أن تعميم هذه الآلية يفتح إشكاليتين: قانونياً إذ يعد القرار خرقاً للاتفاقات الثنائية بين البلدين إذ تنص الاتفاقيات المشتركة تسمح بدخول الشاحنات الأردنية محمَّلة إلى سوريا وعودتها في حال توفُّر حمولة، وينطبق الأمر ذاته على الشاحنات السورية، فضلا عن أن القرار من حيث الهرمية القانونية أقلّ من الاتفاقية وهو ما يجعل أيّ تعديل جوهري في قواعد العبور إذا تمّ بقرارٍ أحادي ومن دون مسارٍ ثنائي للتفسير أو التعديل- محلَّ تعارضٍ مع المرجعية الناظمة لحركة الشاحنات، ويدفع باتجاه إدارة الخلاف ضمن قنوات فنية-قانونية بدل ترسيخه كأمر واقع. فضلاً عن أنّ الأردن يسمح للسائقين السوريين بالدخول إلى أراضيه لنقل البضائع، ما يجعل منطق “المعاملة بالمثل” أقل انطباقاً على الحالة الأردنيّة.[1]

تشغيلياً لا تصلح “باك تو باك” كقاعدة عامة لكلّ الشحنات، لأن قابلية المبادلة تختلف باختلاف طبيعة الحمولة: بعض السلع سريعة التلف أو حساسة للمناولة، وبعضها يحتاج تجهيزات ووقتًا لا يتناسبان مع أحجام التدفّق اليومية؛ ما يجعل الآلية-حين تُعمَّم دون استثناءات ومسارات سريعة-وصفة لتكدّس طويل وكلفة أعلى على السلسلة اللوجستية.

وفي الحالتين، يدفع الثمن المستوردون والمستهلكون عبر ارتفاع الكلف واضطراب الانتظام. يزيد من ذلك إذ ما أخذنا بعين الاعتبار عامل تشغيلي آخر حاسم جاهزية معبر نصيب-جابر نفسه [2]لتطبيق آليات من نوع “باك تو باك”. فهذه الآلية لا تنجح بقرار إداري فقط، بل تتطلّب سعة كافية في ساحات المناولة، ومسارات دخول وخروج منفصلة، وتجهيزات تحميل وتفريغ، وقدرة على التخزين المؤقت وإدارة الدور، فضلًا عن كوادر رقابية ونظام معلومات يحدّ من التكدّس والازدحام وبطء المناقلة. وهو ما ليس متوفراً حالياً رغم وجود مشاريع تطوير وتوسعة للمعبر.

ورغم أن لجاناً مشتركة تعمل على تفعيل التعاون الاقتصادي في مختلف المجالات، خاصة التجارية، لضمان استمرار هذا النموّ. إلّا أن القرار يضعها أمام مِحكّ متعلّق بآليات التشغيل التي تربط بينها، وعن قدرتها على تقديم إنذار مبكر وتنسيق مسبق عند القرارات التي تمسّ الجانبين بدل الاكتفاء باتصالات ظرفية تُعالج النتائج بعد وقوعها.

ومن هنا، تبرز حزمة من التوصيات التي تدفع باتجاه “الحوكمة التشغيلية” لتفادي ما يحدّ من آثار القرارات الأحادية المفاجئة ويمنع تحوّلها إلى أزماتٍ حدودية متكررة، بما يعزّز الثقة التشغيلية للجانبين ويضمن استقرار العلاقات الثنائية وينعكس إيجاباً على الاقتصاد:

بروتوكول ثنائي للتغييرات الحدودية: الاتفاق على قاعدة واضحة بأن أي تعديل جوهري في قواعد العبور/المناولة يُسبق بإشعار رسمي وفترة انتقالية محددة، ما لم تكن هناك ضرورة أمنية مُعلنة ومُبررة.

غرفة تشغيل مشتركة على معبر جابر–نصيب: إنشاء قناة تنسيق يوميّة (جمارك/نقل/إدارة معبر) مع خط اتصال مباشر 7/24 لحل أيّ إشكاليات فورًا وتوحيد ما يُقرَّر رسمياً مع ما يُطبَّق ميدانيًا وتنسيق الجهود الثنائية/المشتركة.

مسار سريع واستثناءات للسلع الحسّاسة: اعتماد قائمة سلع سريعة التلف/مرتبطة بالاحتياجات الأساسية، وتطبيق مسار سريع بسقف زمني للانتظار، مع استثناءات تشغيلية عندما لا تتوفر تجهيزات مناولة مناسبة.

شفافية الإيصالات وآلية تظلّم: ربط شرط الإيصال بمعايير معلنة (نافذة واحدة، زمن إنجاز محدد، رسوم واضحة) مع آلية تظلّم سريعة تمنع تحوّل الإيصالات إلى اختناق أو بوابة ريوع.

سلامة الطريق كشرط للعلاقة: اعتبار حماية السائقين والشاحنات ومنع الاعتراضات/الاعتداءات جزءاً من إدارة العلاقة الثنائية لا كتفصيل نقابي، وتفعيل إنفاذ القانون على الطرق المؤدية للمعبر.

فصل النزاع القطاعي عن قواعد العبور: معالجة مطالب قطاع النقل السوري (مكاتب الدور/تنظيم المنافسة/الحد من الاحتكار) عبر مسار داخلي تدريجي قدر الإمكان، بدل تحميل الحدود كلفة حلّ نزاع داخلي دفعة واحدة.

تفعيل اللجنة الفنية المشتركة بصلاحيات تشغيلية: تحويلها من إطار اجتماعات إلى جهة تُصدر إجراءات تشغيل معيارية ومؤشرات أداء (زمن الانتظار، حجم المناولة، عدد الشاحنات المعالجة يومياً) لمأسسة التنسيق وتقليل المفاجآت.

خاتمة

في المحصِّلة، لا تختبر هذه الأزمة حجم التبادل بقدر اختبارها للحَوْكَمة التشغيلية العابرة للحدود بين عمّان ودمشق في ملف النقل. فكلما غابت الحوكمة التشغيلية، تحولت القرارات التقنية إلى نقاط احتكاك سياسي، وكلما وُجدت قواعد تنسيق واضحة، أمكن احتواء الخلاف داخل إطاره الفني وحماية مسار العلاقة من التذبذب وبما يبني أرضية أكثر صلابة لاستمرار الانفتاح الاقتصادي دون توتير العلاقة.

[1] نقلاً عن مصدر أردني رفيع 13 شباط/فبراير 2026 .

[2] جدير بالذكر أن معبر الحدودي الثاني الرمثا- درعا لا يزال مغلق، وتربط جهات أردنية استمرار الإغلاق بعدم جاهزية الجانب السوري/قابلية تشغيل المعبر، فيما تتكرر مطالبات نيابية وشعبية بإعادة فتحه لتخفيف الضغط عن معبر جابر- نصيب. https://jo24.net/article/78518

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/23 الساعة 11:00