مساعدة يكتب: الضمان مسؤولية وطنية.. لا شعارات شعبوية

جهاد مساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 14:42
في القضايا الوطنية الكبرى، لا يكفي أن نرفع الصوت، بل يجب أن نرفع مستوى الدقة. وملف الضمان الاجتماعي ليس مادةً للمزاودة السياسية، ولا مساحةً لتصفية الحسابات، بل هو أحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي والمالي في الدولة.

الضمان الاجتماعي ليس صندوقاً عادياً، بل منظومة متكاملة تقوم على التوازن بين الاشتراك والمنفعة، وبين الحاضر والمستقبل، وبين العدالة والاستدامة. وأي حديث عنه يجب أن يستند إلى النصوص القانونية والحقائق الرقمية، لا إلى العناوين الصادمة التي تُكتب لإثارة العاطفة.

قيل إن المشروع يشكّل “خطرًا أحمر”، وإنه يصادر الحقوق بأثر رجعي. والحقيقة الثابتة أن رفع سن التقاعد إلى 65 عاماً للذكور و60 للإناث يبدأ تدريجياً اعتباراً من عام 2028، وبزيادة ستة أشهر سنوياً. هذا ليس أثراً رجعياً، بل مساراً انتقالياً واضحاً ومعلناً. والفرق بين المصادرة والتدرّج ليس تفصيلاً لغوياً، بل مسألة دستورية لا يجوز القفز فوقها من أجل خطاب شعبوي.

وقيل إن التقاعد المبكر أصبح مشروطاً بثلاثين عاماً من الاشتراك. المشروع شدّد الشروط لضبط الكلفة الاكتوارية، لكنه لم يضع 360 اشتراكاً شرطاً عاماً مطلقاً كما يُروَّج. هناك فرق بين تنظيم الاستحقاق وإغلاق الباب، وبين إصلاح الخلل وشيطنة الإصلاح.

أما الحديث عن محدودية الاستفادة بسبب متوسط الأعمار، فهو تبسيط مخلّ. فالضمان ليس حسابَ توفيرٍ فردياً يُغلق عند الوفاة، بل نظام تأميني تكافلي يوفّر رواتب للورثة وتعويضات متعددة. وتصوير المنظومة وكأنها مصممة لحرمان الناس من حقوقهم يجافي الحقيقة.

ولنيل الشعبوية، طُرحت مقترحات من قبيل “استرداد” 11 مليار دينار من الحكومة. وهذه الأموال ليست مودعة في درج مغلق، بل مستثمرة في سندات حكومية ضمن إطار قانوني ومالي قائم. ومناقشة جدوى الاستثمار حق مشروع، لكن تصوير الحكومة وكأنها تستولي على الأموال أو تحتجزها تعسفاً هو تضليل للرأي العام.

أما الدعوة إلى تحديد سقف فوري للرواتب التقاعدية وتطبيقه على متقاعدين حاليين، فهي تفتح باباً دستورياً خطيراً يتعلق بالحقوق المكتسبة والأمان القانوني. فالعدالة الاجتماعية لا تُبنى بإلغاء حقوق قائمة بقانون نافذ، ولا بإعادة كتابة العقود بأثر فوري لأن المزاج العام تغيّر.

وفصل التقاعد العسكري أو انتخاب إدارة الضمان أفكار سياسية يمكن بحثها، لكنها تمثل إعادة صياغة شاملة للنظام، لا معالجة مباشرة لمواد مشروع القانون المطروح. ولا يجوز الخلط بين نقاش فلسفة الإدارة العامة ومناقشة تعديلات محددة.

ومن الإنصاف أن يُقال بوضوح: إن الحكومة معنية بحماية منظومة الضمان الاجتماعي والحفاظ على استدامتها، لا بالعبث بها. فشيطنة عمل الحكومة، وتصويرها وكأنها تعمل ضد الشعب أو كأنها جاءت من كوكب آخر، خطاب لا يخدم الوطن، بل يزرع الشك في كل مؤسسة ويقوّض الثقة العامة.

النقد واجب، والمساءلة حق، لكن تحميل كل إصلاح نيةً مبيتة، وكل تعديل مؤامرةً، هو أسلوب يضر بالضمان أكثر مما يحميه.

السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجهه بشجاعة:

هل نريد منظومة مستدامة تحمي أموال الأجيال القادمة، أم خطاباتٍ شعبوية تريح اللحظة وتؤجل المشكلة؟

نحن مع تحسين المشروع، ومع إدخال ضمانات انتقالية عادلة، ومع تعزيز الرقابة والشفافية. لكننا، في الوقت ذاته، نقف بوضوح إلى جانب حماية منظومة الضمان من المبالغات التي تُضعف الثقة بها.

الضمان الاجتماعي ليس ساحة استقطاب، بل ركيزة وطنية.

والخطر الحقيقي ليس في الإصلاح المدروس…

بل في تحويل كل إصلاح إلى معركة، وكل تعديل إلى اتهام.

فمن أراد حماية أموال الأردنيين، فليقل الحقيقة أولاً، ولا يُحرّف المعنى لتخويف الشعب.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 14:42