العتوم يكتب: دوغين وثورة ترامب

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 14:00
إنه كتاب ألكسندر دوغين المفكر الروسي الكبير ، و صاحب نظرية عالم متعدد الأقطاب بعنوان ( ثورة دونالد ترامب ) الذي ترجمه إلى العربية علاء عمر ، و صدر ، عن دار هاشم للنشر عام 2025 هنا في عمان ، و الكتاب مكون من 278 صفحة ، ويتحدث في السياسة المعاصرة ، و يعكس فلسفة الكاتب .

و يتحدث الكتاب عن الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية ، وعن نظرية جاك لا كان المحلل النفسي الفرنسي ، و أيدولوجيا ترامب ، و عهد بايدن ، و العملية العسكرية الروسية الخاصة ، وكيف يريد ترامب مثل بوتين ، و أوكرانيا و ترامب ، و أمريكا ترامب ، و النخب الأمريكية الجديدة ، و جولات ترامب وسط الكوكب ، و الإسلام ، و تفاصيل عديدة أخرى .

لكن عام 2026 شهد تحولات سياسية جذرية عديدة في مقدمتها التقارب الروسي – الأمريكي ، و الشرخ العميق بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد الأوروبي ، و الكلام هنا لي ، وهو الذي ينذر بانقسام سياسي و عسكري غربي يشمل التكوين الذي يتألف منه حلف ( الناتو ) . وكيف سبق لروسيا – بوتين أن عرضت على أمريكا – كلينتون دخول ( الناتو ) عام 2000 للجم الحرب الباردة و سباق التسلح ، وهو الذي لم يرد في كتاب دوغين هذا .

و بطبيعة الحال الكتاب صدر عام 2025 ،و الأحداث تسارعت بعد ذلك ، و ما كتبه دوغين عميق ، و المستجدات التي جاءت لاحقا عام 2026 عصفت بالكثير من المعتقدات و الأفكار ، لكن قاعدة الفلسلفة تبقى في مكانها ، و يبنى عليها . و شمل الكتاب أمريكا ، وروسيا ، و أوكرانيا ، و غزة ، و إيران ، و الأوراسيا . و يصعب هنا الأخذ بكافة التفاصيل ، لذا ، اخترت محطات هامة من الكتاب تهمني ، و تهم القاريء الكريم ، و إليكم أهم ما جاء في الكتاب ،و تعليقاتي عليها .

يتساءل دوغين هنا عن متانة اليقين بشأن مرحلة الانتقال من أحادية القطب إلى تعددية الأقطاب . وهل بإلإمكان الجزم بأننا بالفعل في مرحلة عالم متعدد الأقطاب ، أم لازلنا في عالم أحادية القطب ؟ و يجيب بأنه لا يمكن تجاهل حضور أحادية القطب ، بينما يؤكد الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر على ميتافيزيقية التحول في عصرنا . و يتطرق روبرت غيلين لأحادية القطب التي تحدد التعددية القطبية في أعمال هنتغتون . و بأن حضارة الدولة أدرجها الخبير الصيني ( مو ) ، و هو المصطلح الذي يستخدمه الرئيس فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرجي لافروف ، وعلى أنه يعكس نظام متطور من القيم التقليدية ، و الهوية ، و الدولة العظمى . و في العالم اليوم حسب دوغين حضارات كبرى مثل ( الغرب ، و روسيا ، و الصين ، و الهند ) . و أخرى مثل الإسلامية ، و الأفريقية ، و الأمريكية اللاتينية .

وتعليقي هنا ، هو ، بأن احادية القطب التي ظهرت كتوجه بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 ،و تغولت على أركان العالم ، لازالت حاضرة و لن تتلاشى مالم تندمج مع توجه تعددية الأقطاب الذي تقوده روسيا الاتحادية بالتعاون مع كبريات الدول العظمى الأخرى مثل الصين و الهند ، و شرق و جنوب العالم ، و بعد الانفتاح أكثر على الغرب . و الشرخ السياسي الحاصل الان بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأوكرانية شيوعا يؤشر على اقتراب الغرب من الشرق ، ومن نظرية تعددية الأقطاب الواجب أن تنتقل إلى واقع ، رغم إعاقة الأتحاد الأوروبي للمسار حاليا .

ويطرح دوغين في كتابه فكرة ( الأنفصال ) ، و التي هي نقيض للعولمة ، فبينما كلمة الانفصال تعني فتح الطريق أمام عالم متعدد الأقطاب الأيجابي ، عنت العولمة التمسك باحادية القطب السلبي ، وفي نهاية المطاف لا يصح إلا الصحيح ، و لن تقبل الأجيال القادمة المتتابعة العيش في الماضي ، بينما الحاضر يجذف تجاه المستقبل الواعد . ولن يبقى الغرب سيدا ، و لن يقبل الشرق و الجنوب في العالم بالعبودية . و ردا على العملية العسكرية الخاصة الروسية ، بدأ الغرب بفك الارتباط حيث يقول دوغين ، أضيف عليه شخصيا هنا ، و بدأ الغرب نفسه يتفكك و يماس الأنفصال بين المكونين الأمريكي و الاتحاد الأوروبي .

ويعتقد دوغين بأن القطب القادر على الأنخراط بالتعددية القطبية لن يكون قوميا بمثل ما يجب أن يكون نووي السلاح . و يتحدث عن القطب النووي الأمريكي ، و كذلك القطب النووي الأوروبي ، و عن قطب الصين النووي ، و القطب النووي الباكستاني ، و الإيراني الذي يقترب من النووي ، و قطب أفريقي ،و أخر أمريكي لاتيني مرشحان للقطبية النووية .ولا ننسى هنا الهند . ويعتقد دوغين بأن الخطر الأكبر الذي يواجه بلاده روسيا ليس الانتشار النووي بقدر ماهو صراع نووي محتمل مع الغرب . و المطلوب هو التوازن النووي بين القطبين العملاقين روسيا و الغرب . و خطاب الرئيس بوتين في فالداي عام 2024 جاء هاما بسبب دعوته لبناء نظام عالمي جديد . و دعوة بوتين لتعددية الأقطاب تعني احترام تنوع الثقافات و الحضارات .

و يشخص كتاب دوغين هذا شخصية جو بايدن ، الرئيس الأمريكي السابق صاحب مقولة ( حان الوقت لوضع الحرية فوق الديمقراطية ) ، بمعنى نعم للديتكتاتورية العالمية و لفرض السلطة بالقوة . و المثل على ذلك ابقاء زيلينسكي في السلطة بعد الغاء الأنتخابات . و تشكيل حكومة عالمية ، و الذهاب لحرب وسط العالم بلا نهاية .

وحديث في الكتاب عن مفهوم الدولة العميقة الذي ظهر في السياسة التركية في تسعينيات القرن الماضي العشرين . و اكتشف بعد ذلك ترامب الدولة العميقة في الولايات المتحدة الأمريكية . و هو المصطلح الذي ظهر في الغرب في الخطابات السياسية ، و دفع لتشكيل مجلس العلاقات الخارجية ، ولعب دورا مباشرا في تأسيس الاتحاد الأوروبي ، و خطوة ملموسة نحو الحكومة العالمية . و لعب هنري كيسينجر حسب المؤلف دورا رئيسا لدمج الصين في السوق المحلية و العالمية ،و الهدف روسيا .

وفي موقع أخر من يسلط الكتاب على ثورة ترامب ، وكيف كان بإمكان انتخابه ممكنا في ظل نفوذ الدولة العميقة ، و المقصود بها جهاز الدولة و النخبة ، الأيدولوجيا و الأقتصاد المترابطة . و بأنه لاتوجد أيدولوجيا للديمقراطيين و الجمهوريين . و على مستوى الجغرافيا ، فإن السياسة الترامبية لاحظ دوغين وسطها تصريحات لترامب لضم كندا بصفتها الولاية رقم 51 ، و شراء غرينلاند ، و السيطرة على قناة بنما ، و إعادة تسمية خليج تحت إسم أمريكي ، و لشراء غزة . وهو الأمر الذي يثبت لي أعلاه بأن ترامب ليس ثورة ولا ثائر ، و إنما رجل أعمال جشع لايرى من خلال عيونه غير الثراء الفاحش ، و السيطرة على أموال الغير ومنها التريليونات العربية ، و لا يرى العدالة على الأرض خاصة في شأن القضية الفلسطينية الواجب أن تبقى عادلة . وكل ذلك يجري تحت شعار أمريكا أولا ، و العسكرة الأمريكية الأقوى في العالم ؟!.

ويسلط دوغين الضوء على العملية العسكرية الخاصة الروسية ، ويصفها بأنها مقياس الأمور ، و بأن المطلوب استسلام نظام ( كييف ) النازي الكامل غير المشروط حسب تعبيره . و يؤكد بأنها هذه هي إرادة الشعب الروسي ،و الدولة الحضارية ، و الجيش . و يشير على أن أوكرانيا ، و يقصد غربها ، غير قادرة على المقاومة ، لكن روسيا كثيرا ما تنتصر في الحرب و تخسر السلام في المقابل . و بأنه لا بد من التغلب على الليبرالية لتحقيق خطوة حاسمة نحو النصر ، و نحو الفكرة الروسية .

وتعليقي هنا هو بأن روسيا نعم أثبتت بأنها القادرة على الأنتصار و انتصرت فعلا في حربها الدفاعية مع غرب أوكرانيا . و شخصيا لم أقرأ في كتاب دوغين مصطلح الحرب الدفاعية ، ومسألة القضاء على نظام أوكرانيا من وجهة نظري متعلقة بمدى رفع الاتحاد الأوروبي يده عن الحرب ، وعن دعم و اسناد نظام زيلينسكي المنتهية ولايته . و لا حديث عند دوغين عن الشرعية الواجب أن يحصل عليها نظام " كييف " ، و إنما عن ضرورة القضاء على النظام الأوكراني بمجمله . و لاحديث مباشر لدوغين في كتابه بأن روسيا لم تبدأ الحرب ، أو بأنها المنتصرة ، و سوف تنتصر في السلام ،و هو المهم .

و يكتب دوغين ، بأن تعيين أندريه بيلؤوسوف وزيرا للدفاع خطوة طال انتظارها لتنظيف الجيش . و تعليقي مجددا هنا نعم ، فلقد عمل أندريه وزيرا للأقتصاد و أثبت بأنه الرجل النظيف وفي المكان المناسب ، لكن سيرجي شايغو وزير الدفاع الروسي السابق لم يحاكم مثلا ، و أصبح مبعوثا خاصا للرئيس بوتين . و يكتب دوغين ، و هو الصحيح ، بأن الحكام القوميين لأوكرانيا الذين اختاروا الغرب الجماعي و العولميين رعاة لهم . هم مهندسو المأساة التي حلت بأوكرانيا . ثم يكتب دوغين بأن ترامب شن هذه الحرب المقدسة ضدنا ، و لازال عدونا . ويعلن ترامب بأنه يقاتل ضد النخبة العالمية . و المطلوب حسب دوغين تدمير الجماعة الأرهابية التي استولت على السلطة في أراضي العالم الروسي ، التي تسمى مؤقتا أوكرانيا ، أو نسقطها و نحاسبها ونقيم لها محكمة . و تعليقي هنا من جديد هو بأن ترامب هو وريث حرب شنها جو بايدن ، الرئيس الأمريكي السابق بالتعاون مع باريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا من وسط انقلاب ( كييف) عام 2014 ،و هو الذي لم يرد في الكتاب أيضا .

ويختم دوغين كتابه هذا بالحديث عن هجوم حماس على إسرائيل عام 2023 ويصفه بالأرهابي دون وصف إسرائيل بصفة الأرهاب نفسها ،ومن دون توضيح لمعاناة الشعب الفلسطيني من الاحتلال . و الخطاب السياسي العالمي يتحدث بنفس اللهجة ،عندما يتحدث عن الارهاب و الارهاب المضاد ، لكن خطاب الدولة الروسية منصف للقضية الفلسطينية بالمقارنة مع خطاب الغرب . و يقول دوغين هنا بأن نتنياهو دمر غزة تدميرا كاملا ، متسببا في القضاء على عشرات الالاف من المدنيين ، وهو الأمر الذي لايعترف به نتنياهو ، و لا يعتبره حرب إبادة ، و يواصل جولاته المكوكية تجاه أمريكا – ترامب التي ساعدته بالسلاح الفتاك المطلوب ، للقضاء على الممكن من الفلسطينيين المناضلين و القابضين على الجمر ، أصحاب الأرض و القضية العادلة . و يختتم دوغين القول في كتابه بأن صورة إسرائيل ، وهي تهاجم خصومها الأقليميين ، ويقصد المقاومة العربية المسنودة من قبل إيران تبدو ملحمية حقا . وهنا و التعليق الأخير لي لا يوضح لنا دوغين كيف أصبحت صورة إسرائيل بعد عراكها مع صنوف المقاومة العربية ، و كيف أن المقاومة العربية لم تنتهي ، و بأنها لن تسلم سلاحها مادام المحتل الإسرائيلي ماكثا فوق تراب العرب . و بأن مشروع إسرائيل الكبرى يواجهه العرب بمشروع فلسطين الكبرى لامحالة .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 14:00