أبو لبن يكتب: رمضان.. تجربة الوعي والوجود

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 12:40
رمضان، في جوهره، ليس مجرد شهر من شهور السنة، ولا مجرد طقس ديني يقتصر على الصيام عن الطعام والشراب، بل هو تجربة وجودية متكاملة يختبر فيها الإنسان حدود الجسد، ويواجه فيها حقيقة الزمن، ويتأمل في طبيعة الوجود والعلاقة بين الفرد والعالم والآخر. في الصيام، يختبر الإنسان حرية الروح وسط قيود الجسد؛ حرية التأمل ومساءلة الذات وإعادة ترتيب أولوياته بما يتجاوز العادات اليومية. الصيام يفرض صمتًا جزئيًا على الجسد، لكنه في الوقت ذاته يفتح فسحة من الحرية الداخلية للعقل والروح، فيصبح كل شعور بالجوع أو العطش فرصة للتأمل في الحدود الإنسانية والاعتماد على الذات، وفي التوقف عن الانغماس في الماديات اليومية، لتصبح الحياة أكثر وعيًا وأكثر حضورًا في كل لحظة.

بالنسبة للمثقف، رمضان هو محفل العقل والروح معًا، حيث تتداخل تجربة الامتناع عن المألوف مع البحث الفكري والنقدي. فالوقت في رمضان لا يُقاس فقط بالساعات والدقائق، بل بمستوى الحضور والوعي، فالنهار بطولاته وقيوده يشجع على الصبر والمراقبة، والليل بسهراته وفراغه يسمح بالكتابة والتأمل والقراءة والنقاش، فتتشكل علاقة جديدة مع الزمن، علاقة تجعل الإنسان واعيًا أن كل لحظة هي مساحة للتفكير، وكل فعل وكل كلمة تحمل معنى أعمق من ظاهرها. يصبح رمضان بذلك زمنًا مكثفًا، زمنًا شعوريًا وفكريًا، يتيح للمثقف أن يتجاوز الانشغال الدائم بالعجلة اليومية إلى حياة متأملة، حيث تتداخل الذاكرة والتاريخ والثقافة مع اللحظة الراهنة.

الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو امتناع عن الانشغال بما يلهي عن الذات والروح، وهو تدريب على الانضباط والوعي الأخلاقي. من هذا المنطلق، يكتسب رمضان بعدًا فلسفيًا؛ فهو اختبار للحرية، حرية الاختيار بين الانغماس في الشهوات والالتزام بالوعي الذاتي، حرية المراقبة على النفس ومراجعة القيم، حرية إعادة النظر في العلاقة مع الآخرين، ومع الزمن، ومع المعنى الذي نحمله للحياة. رمضان يعلم المثقف أن الوجود ليس مجرد حضور جسدي، بل ممارسة واعية للروح والفكر، وأن الصبر والانضباط هما مدخل إلى معرفة أعمق للذات والآخر.

العلاقات الإنسانية خلال رمضان تأخذ طابعًا فلسفيًا خاصًا. فالمثقف يدرك أن الوعي بالآخر لا يقتصر على الأخلاق السطحية، بل يشمل فهم تداخل المصالح الإنسانية، والتذكير بأن الفرد جزء من نسيج أكبر من الحياة والمجتمع. أعمال الرحمة، والعطاء، والمشاركة في المجتمع، تصبح في رمضان ممارسة للمعنى، ممارسة تدرك أن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا من خلال المسؤولية عن الآخرين. بهذا يصبح رمضان تجربة أخلاقية وفكرية في آن واحد، حيث يتعلم الإنسان أن الوجود الفردي مرتبط بالآخر، وأن كل اختيار وكل صمت وكل كلمة تتداخل في شبكة الحياة الإنسانية.

الأدب والفكر العربي والفلسفي لطالما تأثروا برمضان، فقد كتب عنه الشعراء والمفكرون نصوصًا تعكس الصراع الأزلي بين الروح والجسد، بين الفناء والبقاء، بين الصبر والحرية. النصوص الرمضانية تحمل في طياتها استعارات عن الحياة والموت، عن النقص والكمال، عن الزمن الذي يمضي بلا رجعة وعن اللحظة التي تمنح الإنسان فرصة لمراجعة نفسه. رمضان يصبح عند المفكرين والأدباء مساحة رمزية لاختبار العمق الإنساني، ومساحة لتجربة الانصهار بين التجربة الفردية والتجربة الوجودية الكبرى.

بالإضافة إلى البعد الروحي والفكري، يمتلك رمضان بعدًا ميتافيزيقيًا وفلسفيًا، إذ يطرح أسئلة عن الزمان والحرية والمعنى. الصيام يجعل الإنسان واعيًا بالزمن الذي يمضي، باللحظة التي تختفي، وبأن وجوده مرتبط بالوعي بكل دقيقة وثانية. كما يجعل رمضان الإنسان يواجه أسئلة الحرية والقدر: هل أنا حر في اختياراتي؟ هل الزمان مسيطر علي أم أنا المسيطر على تجربتي الزمنية؟ هل الهدف من الحياة هو مجرد العيش أم أن هناك معنى أعمق يستحق التأمل والبحث؟ في هذا السياق، يصبح رمضان مختبرًا فلسفيًا لوعي الإنسان بذاته وبوجوده وبحقيقة الحياة.

المثقف في رمضان يعيش تجربة مضاعفة: تجربة الجسد والروح، تجربة الفكر والوعي، تجربة الانعزال والتفاعل مع الآخر، تجربة التوقف عن المألوف والانغماس في المعنى. فكل صيام وكل صلاة وكل لحظة تأمل تصبح محاولة لفهم العلاقة بين الحرية والالتزام، بين الفرد والمجتمع، بين الوعي والفعل، بين اللحظة والزمن الكلي. رمضان بهذا الشكل لا يقتصر على كونه طقسًا دينيًا، بل يصبح رحلة معرفية وجودية، رحلة نحو الذات، نحو الآخر، نحو الكون، رحلة تجعل الإنسان أكثر حضورًا وأكثر وعيًا وأكثر قدرة على استيعاب المعنى في حياته وفي العالم من حوله.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/21 الساعة 12:40