عليان يكتب: الضمان الاجتماعي.. خط أحمر

غازي عليان
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/20 الساعة 16:48
لم يعد الحديث عن الضمان الاجتماعي في الأردن مجرد نقاش تقني حول أرقام أو تعديلات قانونية، بل أصبح قضية وطنية تمس حاضر الأردنيين ومستقبلهم، وتهدد أحد أهم ركائز الأمن الاجتماعي في الدولة.

فالمشروع المقترح لتعديل قانون الضمان الاجتماعي لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، حيث تتزايد الأعباء الاقتصادية على المواطن، وتتراجع الثقة بالقرارات الحكومية، خاصة عندما يتعلق الأمر بأموال هي في الأصل ملكٌ للمواطنين، اقتُطعت من رواتبهم على مدار سنوات طويلة، لتكون سنداً لهم في شيخوختهم، لا عبئاً إضافياً عليهم.

إن الضمان الاجتماعي ليس منّة من أحد، ولا امتيازاً تمنحه الحكومات، بل هو حق أصيل كفله الدستور، يقوم على مبدأ العدالة الاجتماعية والتكافل بين أبناء المجتمع. ولذلك فإن أي مساس به، أو إعادة تشكيله بما يضر بالمشتركين، يُعد تعدياً مباشراً على حقوق المواطنين.

والمؤلم أن الحكومات المتعاقبة تعاملت مع أموال الضمان وكأنها جزء من خزينة الدولة، فتم توجيه مليارات الدنانير نحو مشاريع لم تحقق الجدوى المطلوبة، حتى وصل حجم الأموال المترصدة في ذمة الحكومة إلى أكثر من أحد عشر مليار دينار، دون شفافية كافية أو مساءلة حقيقية.

اليوم، يأتي المشروع الجديد ليضيف مزيداً من القلق، من خلال رفع سن التقاعد، وتشديد شروط التقاعد المبكر، وفرض واقع جديد يحوّل الضمان من نظام حماية إلى عبء طويل الأمد. فعندما يُطلب من المواطن أن يعمل ثلاثين عاماً متواصلة ليستحق تقاعداً، في ظل متوسط أعمار لا يتجاوز في كثير من الأحيان السبعين عاماً، فإن السؤال المشروع يصبح: لمن تُدفع هذه الاشتراكات؟

الأخطر من ذلك هو الحديث عن تطبيق هذه التعديلات بأثر رجعي، وهو أمر يتعارض مع أبسط مبادئ العدالة، ويصادر حقوقاً مكتسبة، ويضرب الثقة بين المواطن والدولة في الصميم.

إن مثل هذه السياسات لا تهدد الأفراد فقط، بل تمس استقرار المجتمع بأكمله. فهي تدفع المشتركين إلى العزوف عن الاشتراك الاختياري، وتشجع على التهرب من دفع الاشتراكات، وتؤدي إلى انخفاض رواتب المتقاعدين، ما يزيد من نسب الفقر، إضافة إلى رفع معدلات البطالة بين الشباب نتيجة تأخير سن التقاعد.

وفي ظل هذه المعطيات، فإن ما يُطرح من ندوات أو حملات ترويجية لا يغيّر من حقيقة أن المواطن لم يُستشر بشكل حقيقي، وأن أصحاب المصلحة الأساسيين، من عمال وموظفين ونقابات، لم يكونوا شركاء في صياغة هذا المشروع.

إن المطلوب اليوم ليس فرض تعديلات تمس حقوق الناس، بل إصلاح حقيقي يبدأ بإعادة أموال الضمان المترصدة في ذمة الحكومة، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وضمان استقلالية المؤسسة عن أي تدخلات، وإشراك المشتركين في إدارة أموالهم.

كما أن العدالة تقتضي وضع سقف أعلى للرواتب التقاعدية، وفصل التقاعد العسكري عن الضمان الاجتماعي، بما يحفظ التوازن بين مختلف الفئات، ويمنع تحميل النظام ما لا يحتمل.

إن الضمان الاجتماعي خط أحمر، لأنه يمثل الأمان الأخير للمواطن الأردني، لأن القضية ليست مالية فقط، بل هي قضية كرامة وعدالة ومستقبل وطن.

وفي النهاية، فإن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، وخاصة مجلس النواب، الذي يُفترض أن يكون صوت الشعب وحامياً لحقوقه، بأن يقف موقفاً واضحاً يرفض أي تعديلات تنتقص من حقوق الأردنيين.

فالأوطان لا تُبنى بالقرارات المفروضة، بل بالعدالة، والشفافية، واحترام حقوق المشتركين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/20 الساعة 16:48