الخصاونة يكتب: الإعلام السيادي ومعركة الوعي في الأردن

محمد حافظ الخصاونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/17 الساعة 14:15
في مقاربةٍ تعكس فهماً عميقاً لدور الإعلام في بناء الدول الحديثة، يتعامل الأردن مع قطاع الإعلام بوصفه أحد القطاعات السيادية؛ ليس باعتباره منصة لنقل الخبر فحسب، بل باعتباره مساحةً لصناعة الوعي، وجسراً للتشبيك بين المجتمعات، وأداةً لتقريب وجهات النظر، وتوحيد الخطاب الوطني بما يعزّز الأمن والاستقرار.

هذا الإدراك تجسّد في استراتيجية واضحة لمواجهة الأخبار المضللة، تقوم على ثلاثة محاور متكاملة:

أولاً: المحور القانوني

عبر تطوير الأطر التشريعية الناظمة للعمل الإعلامي والرقمي، بما يوازن بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة، ويضع حدوداً قانونية واضحة أمام خطاب الكراهية والتضليل المنهجي.

ثانياً: المحور المهني

من خلال تعزيز معايير الممارسة الصحفية الرصينة، والارتقاء بأخلاقيات المهنة، ودعم الإعلام القائم على التحقق والدقة والتوازن، بما يحصّن الفضاء العام من الانزلاق نحو الفوضى المعلوماتية.

ثالثاً: المحور التوعوي

عبر الاستثمار في التربية الإعلامية والمعلوماتية، وبناء قدرات المواطنين على التمييز بين الخبر والشائعة، وبين المعلومة والرأي، بما يحوّل المجتمع من متلقٍ سلبي إلى شريك واعٍ في حماية المجال العام.

إن معركة الوعي، في زمن الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، لا تُحسم بالتقنيات وحدها. فهي معركة قيم قبل أن تكون معركة أدوات؛ تُحسم بأمانة الكلمة، وبالمهنية، وبالاحتكام إلى وعي الشعوب وثقافتها وتاريخها القائم على التيقّن والتبيان. فالإعلام، حين يكون مسؤولاً، يتحول إلى رافعةٍ للتنمية وحصنٍ للاستقرار. وحين يُترك للفوضى، يصبح سلاحاً لتفتيت المجتمعات وبث الشكوك وتقويض الثقة.

ومن هنا، لا تُلقى المسؤولية على عاتق الحكومات وحدها، ولا على المؤسسات الإعلامية فقط، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل أيضاً المواطن، الذي بات اليوم منتجاً وموزعاً للمحتوى بقدر ما هو مستهلك له. فكل مشاركة، وكل إعادة نشر، هي موقف، وقد تكون – دون قصد – حلقة في سلسلة تضليل أو لبنة في بناء وعي جماعي.

إن التجربة الأردنية في هذا السياق تقدّم نموذجاً لمقاربة شاملة، ترى في الإعلام شريكاً في حماية الاستقرار الوطني، لا ساحةً مفتوحة للفوضى؛ وتؤكد أن الدولة الحديثة لا تواجه الأخبار المضللة بالقمع، بل بالمنظومة المتكاملة: قانوناً عادلاً، وإعلاماً مهنياً، ومجتمعاً واعياً.

وبين هذين المسارين – البناء أو الهدم – يختار الأردن طريق الوعي، واضعاً الإعلام في قلب مشروعه الوطني، باعتباره قوة ناعمة قادرة على تعزيز التماسك الاجتماعي، وترسيخ الثقة، وصناعة مستقبل أكثر استقراراً.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/17 الساعة 14:15