فصل أول نائب حزبي بحكم قضائي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/15 الساعة 09:11
أسدل القضاء الأردني الستار على أول قضية من نوعها تتعلق بقرار فصل نائب ترشح عن حزب سياسي وفاز بمقعده النيابي ضمن قائمته الحزبية في الانتخابات الأخيرة، وذلك بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا بمشروعية الإجراءات التي اتخذها الحزب بحقه. وبموجب هذا الحكم القطعي، تم اعتبار النائب محمد الجراح فاقدا لشرط جوهري من شروط العضوية في مجلس النواب، وهو استمرار انتمائه لحزب العمال، الأمر الذي رتب بحكم الدستور سقوط عضويته استنادا إلى أحكام المادة (75) منه.
ولا تقف أهمية هذا القرار عند حدود نتيجته المتمثلة بسقوط العضوية، بل تمتد إلى ما كرسه من مبادئ تتصل بطبيعة الرقابة على العمل الحزبي في ظل منظومة التحديث السياسي. فقد برز دور القضاء الإداري بوصفه المرجع الحاسم في فض هذا النزاع، بعد أن أناط به المشرع الأردني مهمة الرقابة على مشروعية قرارات الأحزاب السياسية. فجاء الحكم ليؤكد أن العلاقة بين النائب وحزبه، مهما كانت أبعادها السياسية، تبقى محكومة بمبدأ المشروعية القانونية، وأن الحسم النهائي في هذه النزاعات يكون من خلال السلطة القضائية المستقلة، وليس عبر المنابر الإعلامية أو الضغوط السياسية.
غير أن الاكتفاء بسلامة المسار القضائي لا يغني عن قراءة أعمق لهذه الواقعة، فهي تكشف عن خلل تنظيمي داخل بعض الأحزاب السياسية يتمثل في ضعف الحوكمة وغياب الأطر الواضحة لإدارة العلاقة مع ممثليها المنتخبين. فليس من المنطقي أن يتم اختيار عضو ليتصدر قائمة حزبية وينال ثقة الناخبين على مستوى الوطن، ثم يتقرر فصله بعد أسابيع قليلة من بدء عمله، ولو كان الأمر مشروعا، بما يؤدي إلى فقدانه مقعده النيابي.
فعلاقة النائب بحزبه السياسي يجب ألا تختزل في إطار تأديبي صارم يقوم على التربص بالأخطاء وتصيدها، ثم اللجوء إلى أقصى العقوبات التنظيمية عند أول مخالفة كان يمكن احتواؤها أو تقويمها بوسائل أقل حدة. فالنائب الحزبي ليس موظفا لدى قيادة الحزب، كما أن الحزب ليس خصما لنائبه، بل إن كليهما شريكان في تمثيل الإرادة الشعبية. ومن ثم فإن مقتضيات العمل الحزبي السليم تفرض وجود منظومة داخلية واضحة للتوجيه والمساءلة التدريجية، تبدأ بالنصح والتقييم، مرورا بالتنبيه والإنذار، ولا تنتهي بالفصل إلا عند استحالة استمرار العلاقة التنظيمية.
أما الجدل القائم حول هوية العضو الحزبي الذي سيخلف النائب المفصول، فإنه لا يخرج عن كونه اختلافا فقهيا في تفسير المادة (58) من قانون الانتخاب. وهذه الإشكالية ليست غريبة على القوانين الوضعية التي قد تعتريها ثغرات في الصياغة أو تباين في الفهم، ويمكن التعامل معها قانونيا من خلال إحالة الموضوع إلى الديوان الخاص بتفسير القوانين، أو عبر القضاء الذي على ما يبدو سيقول كلمته النهائية في القرار الصادر عن الهيئة المستقلة للانتخاب بشأن اختيار البديل عن النائب الجراح المفصول.
وإذا ما انتهى الحكم القضائي إلى اعتماد قرار الهيئة المستقلة للانتخاب، فإن الخاسر سياسيا في هذه المعادلة لن يكون سوى الحزب المعني ذاته، إذ إنه تبنى مواقف سياسية متشددة عقب صدور القرار القضائي، وبادر إلى فصل عضو آخر من حزبه كان قد اختاره مرشحا عن فئة الشباب في قائمته الانتخابية، رغم وجود آراء قانونية حصيفة كانت ترى أنه الأقرب لخلافة النائب المفصول.
أما الأصوات التي سعت إلى استثمار هذه القضية للنيل من مسار التحديث السياسي برمته، فإن الرد عليها يكون بالتأكيد أن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى زمن كاف وتراكم في الخبرة العملية، إذ لا تنكشف مواطن الخلل إلا عبر التطبيق، ولا تترسخ مكامن القوة إلا بعد الاختبار. فقد شهدت المرحلة الأولى خروج عدد من الأحزاب السياسية الناشئة التي برزت مع بواكير الإصلاح لأسباب متعددة، من بينها مخالفة أحكام القانون أو الاندماج في كيانات حزبية أخرى.
ومثل هذه الوقائع والتناحر الداخلي على مقاعد مجلس النواب ستكون له تبعاته السياسية والشعبية الوخيمة، التي قد تفضي مستقبلا إلى خروج أحزاب أخرى من المشهد العام، إذا لم تتمكن من التكيف مع متطلبات العمل السياسي من تغليب الصالح الحزبي العام على المصلحة الشخصية.
لقد انتصف العمر الزمني لمجلس النواب العشرين، وبدأت الأنظار تتجه إلى المرحلة التالية من مراحل التحديث السياسي. وما حدث يشكل درسا عمليا للأحزاب القائمة، بأن العمل الحزبي الجاد لا يقوم على الشخصنة أو تغليب الاعتبارات الفردية، بل على بناء مؤسسي يحترم القانون، ويوازن بين الانضباط والعدالة، ويقدم المصلحة الحزبية العامة على الاعتبارات الفردية الضيقة.
خلاصة القول، إن هذه القضية لم تكن مجرد نزاع حزبي عابر، بل محطة اختبار حقيقية لمسار التحديث السياسي بأبعاده الدستورية والحزبية. وقد أثبتت أن الإصلاح لا يقاس بخلوه من الإشكالات، بل بقدرة السلطات الدستورية على معالجتها ضمن إطار القانون. ويبقى الرهان في المرحلة المقبلة على نضج التجربة الحزبية، وعلى ترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الانضباط الحزبي هو الأساس وليس الاستثناء.
ولا تقف أهمية هذا القرار عند حدود نتيجته المتمثلة بسقوط العضوية، بل تمتد إلى ما كرسه من مبادئ تتصل بطبيعة الرقابة على العمل الحزبي في ظل منظومة التحديث السياسي. فقد برز دور القضاء الإداري بوصفه المرجع الحاسم في فض هذا النزاع، بعد أن أناط به المشرع الأردني مهمة الرقابة على مشروعية قرارات الأحزاب السياسية. فجاء الحكم ليؤكد أن العلاقة بين النائب وحزبه، مهما كانت أبعادها السياسية، تبقى محكومة بمبدأ المشروعية القانونية، وأن الحسم النهائي في هذه النزاعات يكون من خلال السلطة القضائية المستقلة، وليس عبر المنابر الإعلامية أو الضغوط السياسية.
غير أن الاكتفاء بسلامة المسار القضائي لا يغني عن قراءة أعمق لهذه الواقعة، فهي تكشف عن خلل تنظيمي داخل بعض الأحزاب السياسية يتمثل في ضعف الحوكمة وغياب الأطر الواضحة لإدارة العلاقة مع ممثليها المنتخبين. فليس من المنطقي أن يتم اختيار عضو ليتصدر قائمة حزبية وينال ثقة الناخبين على مستوى الوطن، ثم يتقرر فصله بعد أسابيع قليلة من بدء عمله، ولو كان الأمر مشروعا، بما يؤدي إلى فقدانه مقعده النيابي.
فعلاقة النائب بحزبه السياسي يجب ألا تختزل في إطار تأديبي صارم يقوم على التربص بالأخطاء وتصيدها، ثم اللجوء إلى أقصى العقوبات التنظيمية عند أول مخالفة كان يمكن احتواؤها أو تقويمها بوسائل أقل حدة. فالنائب الحزبي ليس موظفا لدى قيادة الحزب، كما أن الحزب ليس خصما لنائبه، بل إن كليهما شريكان في تمثيل الإرادة الشعبية. ومن ثم فإن مقتضيات العمل الحزبي السليم تفرض وجود منظومة داخلية واضحة للتوجيه والمساءلة التدريجية، تبدأ بالنصح والتقييم، مرورا بالتنبيه والإنذار، ولا تنتهي بالفصل إلا عند استحالة استمرار العلاقة التنظيمية.
أما الجدل القائم حول هوية العضو الحزبي الذي سيخلف النائب المفصول، فإنه لا يخرج عن كونه اختلافا فقهيا في تفسير المادة (58) من قانون الانتخاب. وهذه الإشكالية ليست غريبة على القوانين الوضعية التي قد تعتريها ثغرات في الصياغة أو تباين في الفهم، ويمكن التعامل معها قانونيا من خلال إحالة الموضوع إلى الديوان الخاص بتفسير القوانين، أو عبر القضاء الذي على ما يبدو سيقول كلمته النهائية في القرار الصادر عن الهيئة المستقلة للانتخاب بشأن اختيار البديل عن النائب الجراح المفصول.
وإذا ما انتهى الحكم القضائي إلى اعتماد قرار الهيئة المستقلة للانتخاب، فإن الخاسر سياسيا في هذه المعادلة لن يكون سوى الحزب المعني ذاته، إذ إنه تبنى مواقف سياسية متشددة عقب صدور القرار القضائي، وبادر إلى فصل عضو آخر من حزبه كان قد اختاره مرشحا عن فئة الشباب في قائمته الانتخابية، رغم وجود آراء قانونية حصيفة كانت ترى أنه الأقرب لخلافة النائب المفصول.
أما الأصوات التي سعت إلى استثمار هذه القضية للنيل من مسار التحديث السياسي برمته، فإن الرد عليها يكون بالتأكيد أن أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى زمن كاف وتراكم في الخبرة العملية، إذ لا تنكشف مواطن الخلل إلا عبر التطبيق، ولا تترسخ مكامن القوة إلا بعد الاختبار. فقد شهدت المرحلة الأولى خروج عدد من الأحزاب السياسية الناشئة التي برزت مع بواكير الإصلاح لأسباب متعددة، من بينها مخالفة أحكام القانون أو الاندماج في كيانات حزبية أخرى.
ومثل هذه الوقائع والتناحر الداخلي على مقاعد مجلس النواب ستكون له تبعاته السياسية والشعبية الوخيمة، التي قد تفضي مستقبلا إلى خروج أحزاب أخرى من المشهد العام، إذا لم تتمكن من التكيف مع متطلبات العمل السياسي من تغليب الصالح الحزبي العام على المصلحة الشخصية.
لقد انتصف العمر الزمني لمجلس النواب العشرين، وبدأت الأنظار تتجه إلى المرحلة التالية من مراحل التحديث السياسي. وما حدث يشكل درسا عمليا للأحزاب القائمة، بأن العمل الحزبي الجاد لا يقوم على الشخصنة أو تغليب الاعتبارات الفردية، بل على بناء مؤسسي يحترم القانون، ويوازن بين الانضباط والعدالة، ويقدم المصلحة الحزبية العامة على الاعتبارات الفردية الضيقة.
خلاصة القول، إن هذه القضية لم تكن مجرد نزاع حزبي عابر، بل محطة اختبار حقيقية لمسار التحديث السياسي بأبعاده الدستورية والحزبية. وقد أثبتت أن الإصلاح لا يقاس بخلوه من الإشكالات، بل بقدرة السلطات الدستورية على معالجتها ضمن إطار القانون. ويبقى الرهان في المرحلة المقبلة على نضج التجربة الحزبية، وعلى ترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الانضباط الحزبي هو الأساس وليس الاستثناء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/15 الساعة 09:11