الخوالدة يكتب: إيران في قبضة أمريكا.. بين فخِّ التفاوض وترهيبِ حاملاتِ الطائرات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/15 الساعة 09:04
من الأخطاء الشائعة في قراءة السياسة الدولية الاعتقاد بأن القوى الكبرى تسعى دائمًا إلى الحسم النهائي. فالواقع أن التجربة التاريخية تثبت أن الولايات المتحدة – خصوصًا في الشرق الأوسط – لا تعمل دائما بمنطق “الضربة القاضية”، بل بمنطق إدارة التوازنات ومنع الانفجار الشامل، سعيًا إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب بأقل قدر ممكن من الخسائر.
في مرحلة الشاه، كانت إيران تمثل حائط صد استراتيجيًا أمام الاتحاد السوفيتي والصين، وكان محمد رضا بهلوي جزءًا من منظومة أمنية غربية هدفها ضبط المجال الحيوي للنفوذ الدولي. والمفارقة التي يراها البعض غريبة – دعمه لمصر في حرب 1973 – لم تكن خروجًا عن هذا الدور، بل تأكيدًا عليه؛ إذ سعى الشاه إلى تقديم نفسه قوة إقليمية متزنة، تحفظ علاقات جيدة مع العرب، وتمنع انزلاق المنطقة إلى استقطاب مطلق يخدم إسرائيل وحدها.
إيران بعد الحرب الأخيرة:
بعد حرب الأيام الاثني عشر، أدركت إيران بوضوح نقاط ضعفها العسكرية والتقنية، وعملت على تطويرها ضمن استراتيجية تقوم على تعويض القصور التقليدي بأدوات غير متماثلة، سواء في مجال الصواريخ الدقيقة أو الدفاعات الجوية أو القدرات السيبرانية. ومؤخرًا، وخلال موجات الاحتجاجات الداخلية، واجهت طهران ما يمكن وصفه بحرب إلكترونية مركبة استهدفت البنية الاتصالية والإعلامية، وقد أظهرت قدرة نسبية على الاحتواء والمقاومة التقنية. غير أن هذا لا يعني سيطرة كاملة على المشهد؛ فالأزمة الاقتصادية الخانقة، واتساع رقعة السخط الاجتماعي، واستمرار معارضة شرائح واسعة لمبدأ ولاية الفقيه، تفرض سقفًا موضوعيًا لقدرة الدولة على إدارة الصراع داخليًا بنفس الكفاءة التي تدير بها أدوات الردع خارجيًا.
أما اليوم، فإن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تستطيع “كسر عظم إيران” بضربة قاضية يحتاج إلى تدقيق علمي. فمن حيث القدرة العسكرية الصرفة، تمتلك الولايات المتحدة ما يؤهلها لتوجيه ضربة مدمرة للبنية التحتية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، بل ويمكنها نظريًا إحداث شلل واسع في منظومة الدولة الإيرانية خلال فترة قصيرة. غير أن الفرق الجوهري هنا ليس في القدرة، بل في كلفة الحسم ونتائجه الاستراتيجية.
فإيران لم تعد مجرد دولة يمكن تحييدها بضربة تقليدية، بل تحولت إلى شبكة نفوذ ممتدة جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا. وأي مواجهة مباشرة معها لا تعني تدمير أهداف داخل إيران فقط، بل تعني عمليًا:
انفجار أكثر من ساحة في آن واحد،
اضطراب أمن الطاقة العالمي،
تهديد توازن الخليج والممرات البحرية،
وانخراط حلفاء واشنطن الإقليميين في حرب مفتوحة النتائج.
وفي هذا السياق، فإن حجم القوات الأمريكية المنتشرة حاليًا في المنطقة يبدو، من حيث الكثافة والتجميع والتنوع، أقرب إلى تشكيلات معدّة لخوض حرب واسعة النطاق ذات طابع شبه عالمي، وهو ما يمثل استعراضًا غير مسبوق للقوة العسكرية. ولا يمكن فهم هذا الحشد إلا بوصفه رسالة تهديد صريحة وغير ضمنية لإيران، تهدف إلى دفعها نحو التوقيع والإذعان للشروط التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها. وتشير التقديرات إلى أن هذه القوات ليست مهيأة لعملية خاطفة محدودة، بل لقوة كبيرة ومستدامة قادرة على خوض حرب طويلة الأمد، وهو نمط من الانتشار لم يُسجَّل حتى في مرحلة الغزو الأمريكي للعراق.
ومن هنا يتجه السلوك الأمريكي إلى نمط مختلف من الصراع يقوم على: تحقيق الانتصار دون خسارة،
وإضعاف الخصم دون إسقاطه،
واستنزافه دون حسمه،
والتحكم في مستوى الصراع بدل إنهائه.
وهو منطق إدارة الصراع لا منطق إنهائه، ومنطق التحكم في الفوضى لا القضاء عليها، حيث يكون الهدف النهائي هو المحافظة على التفوق بأقل كلفة ممكنة، لا الذهاب إلى مغامرة كبرى قد تعيد تشكيل المنطقة على نحو خارج السيطرة
في مرحلة الشاه، كانت إيران تمثل حائط صد استراتيجيًا أمام الاتحاد السوفيتي والصين، وكان محمد رضا بهلوي جزءًا من منظومة أمنية غربية هدفها ضبط المجال الحيوي للنفوذ الدولي. والمفارقة التي يراها البعض غريبة – دعمه لمصر في حرب 1973 – لم تكن خروجًا عن هذا الدور، بل تأكيدًا عليه؛ إذ سعى الشاه إلى تقديم نفسه قوة إقليمية متزنة، تحفظ علاقات جيدة مع العرب، وتمنع انزلاق المنطقة إلى استقطاب مطلق يخدم إسرائيل وحدها.
إيران بعد الحرب الأخيرة:
بعد حرب الأيام الاثني عشر، أدركت إيران بوضوح نقاط ضعفها العسكرية والتقنية، وعملت على تطويرها ضمن استراتيجية تقوم على تعويض القصور التقليدي بأدوات غير متماثلة، سواء في مجال الصواريخ الدقيقة أو الدفاعات الجوية أو القدرات السيبرانية. ومؤخرًا، وخلال موجات الاحتجاجات الداخلية، واجهت طهران ما يمكن وصفه بحرب إلكترونية مركبة استهدفت البنية الاتصالية والإعلامية، وقد أظهرت قدرة نسبية على الاحتواء والمقاومة التقنية. غير أن هذا لا يعني سيطرة كاملة على المشهد؛ فالأزمة الاقتصادية الخانقة، واتساع رقعة السخط الاجتماعي، واستمرار معارضة شرائح واسعة لمبدأ ولاية الفقيه، تفرض سقفًا موضوعيًا لقدرة الدولة على إدارة الصراع داخليًا بنفس الكفاءة التي تدير بها أدوات الردع خارجيًا.
أما اليوم، فإن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لا تستطيع “كسر عظم إيران” بضربة قاضية يحتاج إلى تدقيق علمي. فمن حيث القدرة العسكرية الصرفة، تمتلك الولايات المتحدة ما يؤهلها لتوجيه ضربة مدمرة للبنية التحتية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، بل ويمكنها نظريًا إحداث شلل واسع في منظومة الدولة الإيرانية خلال فترة قصيرة. غير أن الفرق الجوهري هنا ليس في القدرة، بل في كلفة الحسم ونتائجه الاستراتيجية.
فإيران لم تعد مجرد دولة يمكن تحييدها بضربة تقليدية، بل تحولت إلى شبكة نفوذ ممتدة جغرافيًا وسياسيًا وعسكريًا. وأي مواجهة مباشرة معها لا تعني تدمير أهداف داخل إيران فقط، بل تعني عمليًا:
انفجار أكثر من ساحة في آن واحد،
اضطراب أمن الطاقة العالمي،
تهديد توازن الخليج والممرات البحرية،
وانخراط حلفاء واشنطن الإقليميين في حرب مفتوحة النتائج.
وفي هذا السياق، فإن حجم القوات الأمريكية المنتشرة حاليًا في المنطقة يبدو، من حيث الكثافة والتجميع والتنوع، أقرب إلى تشكيلات معدّة لخوض حرب واسعة النطاق ذات طابع شبه عالمي، وهو ما يمثل استعراضًا غير مسبوق للقوة العسكرية. ولا يمكن فهم هذا الحشد إلا بوصفه رسالة تهديد صريحة وغير ضمنية لإيران، تهدف إلى دفعها نحو التوقيع والإذعان للشروط التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها. وتشير التقديرات إلى أن هذه القوات ليست مهيأة لعملية خاطفة محدودة، بل لقوة كبيرة ومستدامة قادرة على خوض حرب طويلة الأمد، وهو نمط من الانتشار لم يُسجَّل حتى في مرحلة الغزو الأمريكي للعراق.
ومن هنا يتجه السلوك الأمريكي إلى نمط مختلف من الصراع يقوم على: تحقيق الانتصار دون خسارة،
وإضعاف الخصم دون إسقاطه،
واستنزافه دون حسمه،
والتحكم في مستوى الصراع بدل إنهائه.
وهو منطق إدارة الصراع لا منطق إنهائه، ومنطق التحكم في الفوضى لا القضاء عليها، حيث يكون الهدف النهائي هو المحافظة على التفوق بأقل كلفة ممكنة، لا الذهاب إلى مغامرة كبرى قد تعيد تشكيل المنطقة على نحو خارج السيطرة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/15 الساعة 09:04