الرجوب يكتب: ما بعد السردية الوطنية.. حين يكتب الوطن فلسفته بمداد الوعي والقدَر
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 16:51
السردية لغةً:
تعود إلى الجذر العربي (س ر د)، وهو يدلّ على التتابع والاتساق، فيُقال “سرد الحديث” أي تابعه وأحسن نظمه، ومنه قوله تعالى: “وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ” أي أحكم النسج وأتقنه. فالسرد في جوهره تنظيمٌ للمعنى في نسقٍ متصل لا اضطراب فيه.
السردية اصطلاحًا:
هي الإطار التفسيري الذي تنتظم داخله الأحداث والوقائع لتشكّل قصة كبرى تفسّر الواقع وتمنحه معنى. وقد توسّع في تحليل مفهوم السردية عدد من منظّري السرد في النقد الحديث مثل جيرار جينيت وبول ريكور، حيث ربط ريكور بين السرد والهوية، معتبرًا أن الإنسان – وكذلك الجماعة – يفهم ذاته عبر الحكاية التي يرويها عن نفسه، وهو ما أسماه بـ “الهوية السردية” (Ricœur, 1984).
وفي الفكر المعاصر، أشار يوفال نوح هراري إلى أن المجتمعات تقوم على “قصص مشتركة” تمنحها التماسك والقدرة على الفعل الجماعي (Harari, 2014).
أما من وجهة نظري:
فالسردية الوطنية ليست حكاية عن الماضي، بل بوصلة للمستقبل. هي المساحة التي يلتقي فيها التاريخ بالقيمة، والهوية بالفعل، والذاكرة بالمسؤولية. إنها ليست ما نقوله عن الوطن فحسب، بل ما يوجّه سلوكنا اليومي تجاهه.
في البدء، لم تكن الحكاية حدودًا مرسومة على خرائط، ولا شعاراتٍ تُرفع في ساحات، بل كانت سؤالًا وجوديًا يتردّد في ضمير الإنسان: كيف يتحوّل الوطن من جغرافيا إلى رسالة؟ وكيف يصبح الانتماء فعلًا يوميًا لا خطابًا عابرًا؟ هناك، عند التخوم بين الفكرة والقدَر، يولد المعنى الحقيقي للدول، وتتشكّل الأمم التي لا تعيش على أمجاد الأمس، بل تصنع غدها بوعيٍ متجدّد.
الوطن ليس سردية محفوظة، ولا قصيدة تُتلى في الاحتفالات، بل مشروع أخلاقي طويل النفس. هو عقدٌ غير مكتوب بين الإنسان وأرضه؛ بين الحلم والواجب، وبين الحرية والمسؤولية. وكلّما ارتفع منسوب الوعي، خفتت ضوضاء الشعارات، وارتفع صوت العمل الصامت الذي يبني ولا ينتظر التصفيق.
لسنا أبناء الصدفة في هذا الشرق المثقل بالتحديات، ولسنا ظلالًا لتاريخٍ عابر. نحن امتدادٌ لفكرة الدولة التي تتوازن فيها الكرامة مع سيادة القانون، والهوية مع الانفتاح، والأصالة مع الحداثة. فقوة الأمم لا تُقاس بعدد ما تملك، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى طاقة، والأزمات إلى مختبرات لإعادة تعريف الذات.
في زمنٍ تتصارع فيه السرديات الكبرى، يغدو الوعي الوطني أكثر تعقيدًا وأشدّ مسؤولية. لم يعد كافيًا أن نردّد أننا صامدون؛ الأهم أن نكون منتجين للمعرفة، شركاء فاعلين في الاقتصاد العالمي، مؤثرين في الثقافة والعلوم والسياسات العامة. فالدولة التي لا تجدّد أدواتها الفكرية، تتآكل ولو امتلكت أقوى الجيوش.
وقد أكّد سمو ولي العهد سمو الامير الحسين بن عبد الله الثاني في غير مناسبة أن الرهان الحقيقي هو على الشباب، وعلى قدرتهم في تحويل التحديات إلى فرص، وأن المستقبل لا ينتظر المترددين. وهذه ليست عبارة بروتوكولية، بل تعبير عن رؤية تقوم على الشراكة في المسؤولية، والتمكين بالفعل لا بالوعد.
إن التحوّل من دولة تُدير ردّ الفعل إلى دولة تصنع الفعل يبدأ من الإنسان: من مدرسةٍ تعلّم التفكير لا التلقين، ومن جامعةٍ تنتج بحثًا لا شهادة، ومن مؤسسةٍ عامة ترى في الخدمة شرفًا لا وظيفة. هنا يتحوّل الاقتصاد من أرقام جامدة إلى قصة كرامة، وتتحوّل السياسة من إدارة أزمات إلى هندسة أمل.
لسنا بحاجة إلى تكرار الحكاية الأردنية كما رُويت، بل إلى تطويرها كما ينبغي أن تكون. فـ الأردن لم يكن يومًا مجرّد موقع جغرافي حساس، بل مساحة توازن في إقليم مضطرب، ونموذجًا في الاعتدال حين تطرف آخرون، وفي العقلانية حين سادت الانفعالات. غير أن الحفاظ على هذا الدور يتطلّب ثورةً صامتة في الإدارة والاقتصاد والثقافة والوعي المجتمعي.
أخطر ما يواجه الأوطان ليس الفقر في الموارد، بل الفقر في الرؤية؛ الرؤية التي ترى في كل مواطن قيمةً مضافة، وفي كل فكرة فرصة، وفي كل اختلاف ثراءً لا تهديدًا. حينها يصبح التنوع قوة، ويغدو الحوار وسيلة بناء لا ساحة صراع.
السياسة في معناها العميق ليست صراعًا على السلطة، بل إدارة رشيدة للمستقبل. والاقتصاد ليس مجرّد توازنات مالية، بل عدالة في الفرص. والثقافة ليست ترفًا نخبويًا، بل درع الهوية في وجه العولمة العمياء. وعندما تتكامل هذه الأبعاد، يولد وطن لا يخاف الريح لأنه يعرف جذوره، ولا يخشى البحر لأنه أتقن الإبحار.
وأقول أنا: الوطن الذي لا نحلم به أكبر مما هو، نحكم عليه أن يبقى أصغر مما يستحق. الحلم ليس هروبًا من الواقع، بل إعادة صياغته على صورة ما ينبغي أن يكون. ومن لا يملك جرأة الحلم، لن يملك شرف الإنجاز.
في الختام، ليس السؤال ماذا قدّم لنا الوطن، بل ماذا أضفنا نحن إلى رصيده الأخلاقي والتاريخي. فالأمم العظيمة لا تُبنى بالانتظار، بل بالفعل المتراكم؛ لا بالحنين، بل بالرؤية؛ لا بالخوف، بل بالشجاعة الهادئة التي تعرف أن المجد ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من الإيمان والعمل.
وعلى حافة هذا المجد، نقف لا لنتفرّج، بل لنخطو. لأن الأوطان التي تؤمن بنفسها، تكتب تاريخها بيدها… وتوقّعه بوعي أبنائها.
تعود إلى الجذر العربي (س ر د)، وهو يدلّ على التتابع والاتساق، فيُقال “سرد الحديث” أي تابعه وأحسن نظمه، ومنه قوله تعالى: “وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ” أي أحكم النسج وأتقنه. فالسرد في جوهره تنظيمٌ للمعنى في نسقٍ متصل لا اضطراب فيه.
السردية اصطلاحًا:
هي الإطار التفسيري الذي تنتظم داخله الأحداث والوقائع لتشكّل قصة كبرى تفسّر الواقع وتمنحه معنى. وقد توسّع في تحليل مفهوم السردية عدد من منظّري السرد في النقد الحديث مثل جيرار جينيت وبول ريكور، حيث ربط ريكور بين السرد والهوية، معتبرًا أن الإنسان – وكذلك الجماعة – يفهم ذاته عبر الحكاية التي يرويها عن نفسه، وهو ما أسماه بـ “الهوية السردية” (Ricœur, 1984).
وفي الفكر المعاصر، أشار يوفال نوح هراري إلى أن المجتمعات تقوم على “قصص مشتركة” تمنحها التماسك والقدرة على الفعل الجماعي (Harari, 2014).
أما من وجهة نظري:
فالسردية الوطنية ليست حكاية عن الماضي، بل بوصلة للمستقبل. هي المساحة التي يلتقي فيها التاريخ بالقيمة، والهوية بالفعل، والذاكرة بالمسؤولية. إنها ليست ما نقوله عن الوطن فحسب، بل ما يوجّه سلوكنا اليومي تجاهه.
في البدء، لم تكن الحكاية حدودًا مرسومة على خرائط، ولا شعاراتٍ تُرفع في ساحات، بل كانت سؤالًا وجوديًا يتردّد في ضمير الإنسان: كيف يتحوّل الوطن من جغرافيا إلى رسالة؟ وكيف يصبح الانتماء فعلًا يوميًا لا خطابًا عابرًا؟ هناك، عند التخوم بين الفكرة والقدَر، يولد المعنى الحقيقي للدول، وتتشكّل الأمم التي لا تعيش على أمجاد الأمس، بل تصنع غدها بوعيٍ متجدّد.
الوطن ليس سردية محفوظة، ولا قصيدة تُتلى في الاحتفالات، بل مشروع أخلاقي طويل النفس. هو عقدٌ غير مكتوب بين الإنسان وأرضه؛ بين الحلم والواجب، وبين الحرية والمسؤولية. وكلّما ارتفع منسوب الوعي، خفتت ضوضاء الشعارات، وارتفع صوت العمل الصامت الذي يبني ولا ينتظر التصفيق.
لسنا أبناء الصدفة في هذا الشرق المثقل بالتحديات، ولسنا ظلالًا لتاريخٍ عابر. نحن امتدادٌ لفكرة الدولة التي تتوازن فيها الكرامة مع سيادة القانون، والهوية مع الانفتاح، والأصالة مع الحداثة. فقوة الأمم لا تُقاس بعدد ما تملك، بل بقدرتها على تحويل التحديات إلى طاقة، والأزمات إلى مختبرات لإعادة تعريف الذات.
في زمنٍ تتصارع فيه السرديات الكبرى، يغدو الوعي الوطني أكثر تعقيدًا وأشدّ مسؤولية. لم يعد كافيًا أن نردّد أننا صامدون؛ الأهم أن نكون منتجين للمعرفة، شركاء فاعلين في الاقتصاد العالمي، مؤثرين في الثقافة والعلوم والسياسات العامة. فالدولة التي لا تجدّد أدواتها الفكرية، تتآكل ولو امتلكت أقوى الجيوش.
وقد أكّد سمو ولي العهد سمو الامير الحسين بن عبد الله الثاني في غير مناسبة أن الرهان الحقيقي هو على الشباب، وعلى قدرتهم في تحويل التحديات إلى فرص، وأن المستقبل لا ينتظر المترددين. وهذه ليست عبارة بروتوكولية، بل تعبير عن رؤية تقوم على الشراكة في المسؤولية، والتمكين بالفعل لا بالوعد.
إن التحوّل من دولة تُدير ردّ الفعل إلى دولة تصنع الفعل يبدأ من الإنسان: من مدرسةٍ تعلّم التفكير لا التلقين، ومن جامعةٍ تنتج بحثًا لا شهادة، ومن مؤسسةٍ عامة ترى في الخدمة شرفًا لا وظيفة. هنا يتحوّل الاقتصاد من أرقام جامدة إلى قصة كرامة، وتتحوّل السياسة من إدارة أزمات إلى هندسة أمل.
لسنا بحاجة إلى تكرار الحكاية الأردنية كما رُويت، بل إلى تطويرها كما ينبغي أن تكون. فـ الأردن لم يكن يومًا مجرّد موقع جغرافي حساس، بل مساحة توازن في إقليم مضطرب، ونموذجًا في الاعتدال حين تطرف آخرون، وفي العقلانية حين سادت الانفعالات. غير أن الحفاظ على هذا الدور يتطلّب ثورةً صامتة في الإدارة والاقتصاد والثقافة والوعي المجتمعي.
أخطر ما يواجه الأوطان ليس الفقر في الموارد، بل الفقر في الرؤية؛ الرؤية التي ترى في كل مواطن قيمةً مضافة، وفي كل فكرة فرصة، وفي كل اختلاف ثراءً لا تهديدًا. حينها يصبح التنوع قوة، ويغدو الحوار وسيلة بناء لا ساحة صراع.
السياسة في معناها العميق ليست صراعًا على السلطة، بل إدارة رشيدة للمستقبل. والاقتصاد ليس مجرّد توازنات مالية، بل عدالة في الفرص. والثقافة ليست ترفًا نخبويًا، بل درع الهوية في وجه العولمة العمياء. وعندما تتكامل هذه الأبعاد، يولد وطن لا يخاف الريح لأنه يعرف جذوره، ولا يخشى البحر لأنه أتقن الإبحار.
وأقول أنا: الوطن الذي لا نحلم به أكبر مما هو، نحكم عليه أن يبقى أصغر مما يستحق. الحلم ليس هروبًا من الواقع، بل إعادة صياغته على صورة ما ينبغي أن يكون. ومن لا يملك جرأة الحلم، لن يملك شرف الإنجاز.
في الختام، ليس السؤال ماذا قدّم لنا الوطن، بل ماذا أضفنا نحن إلى رصيده الأخلاقي والتاريخي. فالأمم العظيمة لا تُبنى بالانتظار، بل بالفعل المتراكم؛ لا بالحنين، بل بالرؤية؛ لا بالخوف، بل بالشجاعة الهادئة التي تعرف أن المجد ليس لحظة عابرة، بل مسار طويل من الإيمان والعمل.
وعلى حافة هذا المجد، نقف لا لنتفرّج، بل لنخطو. لأن الأوطان التي تؤمن بنفسها، تكتب تاريخها بيدها… وتوقّعه بوعي أبنائها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 16:51