الدردساوي يكتب: جيل يراقب بصمت.. كيف تقتل الممارسات الحزبية الحلم السياسي؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 14:53
في الفترة التي كان يُفترض بها أن تعكس نضج التجربة الحزبية وبدايات تحولها إلى رافعة حقيقية للحياة السياسية، وجد الرأي العام نفسه أمام مشهدٍ مرتبك، تتداخل فيه القوانين مع الحسابات الضيقة، وتختلط فيه المبادئ المعلنة بالممارسات الفعلية.
ما جرى في قضية حزب العمال، من فصل نائب منتخب، ثم انتقال الخلاف إلى جدل واسع حول البديل، لم يعد حدثًا تنظيميًا داخليًا عابرًا، بل تحوّل إلى صورة كاشفة لهشاشة بنية العمل الحزبي، وإلى رسالة مقلقة تصل مباشرة إلى وجدان الشارع، وبالأخص إلى جيل الشباب الذي يُراد له أن يكون عماد المرحلة السياسية المقبلة.
في ظاهر المشهد، بدت القضية قانونية بحتة؛ طعون، محاكم، ونصوص يُحتكم إليها. غير أن خروجها إلى الفضاء العام نقلها من خانة القانون إلى سؤال أعمق يتعلق بالثقة. لم يعد السؤال: من ربح المعركة القانونية؟ بل: ماذا يرى الشاب الذي تابع القصة منذ بدايتها؟ أي معنى يستخلصه حين يشاهد حزبًا يرفع شعارات الإصلاح والتغيير، لكنه يغرق في نزاع طويل تُدار فصوله ببيانات متناقضة وخلافات داخلية، فيما يتحول المقعد النيابي من وسيلة لخدمة فكرة عامة إلى غاية يتصارع عليها الأفراد؟
الألم الحقيقي لا يكمن في فصل نائب أو تعيين آخر بقدر ما يكمن في المنطق الذي حكم المشهد بأكمله. حين يشعر المواطن، وخاصة الشاب، أن الخلافات داخل الأحزاب لا تُدار بروح الاختلاف الديمقراطي، بل بعقلية الإقصاء والغلبة، تتآكل الثقة بصمت. وحين يرى أن الانضباط الحزبي قد يُستخدم أحيانًا كسلاح، وأن النصوص القانونية تُستدعى انتقائيًا، يصبح العمل الحزبي في نظره مساحة طاردة لا حاضنة، وميدان صراع وليس فضاءً للأفكار والطموحات.
وما يزيد الصورة قتامة أن هذه الممارسات لا تقتصر على حزب واحد. ففي تجارب حزبية أخرى، وبدرجات متفاوتة، برزت أنماط لا تقل إرباكًا، حيث تصدّرت القوائم الانتخابية أسماء الأقارب والمقرّبين؛ شقيق هنا، وابن هناك، وصديق قديم في موقع آمن، لا بفعل تنافس داخلي نزيه، بل نتيجة قربه من مركز القرار. وفي حالات أضيق وأكثر إيلامًا، تسلل المال ليصبح معيارًا غير معلن، يفتح الطريق أمام من يستطيع تحمّل التكاليف، وكأن الانتماء الحزبي تحوّل من التزام أخلاقي وفكري إلى صفقة أو استثمار سياسي.
هذه الصورة، بما تحمله من إحباط، تتناقض بوضوح مع الرؤية السياسية التي عبّر عنها رأس الدولة، جلالة الملك عبد الله الثاني، ومع التوجه الذي يقوده الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، في الدفع نحو تحديث منظومة العمل السياسي وبناء حياة حزبية فاعلة تقوم على البرامج لا الأشخاص، وعلى المنافسة العادلة لا العلاقات الضيقة. فقد جاءت الرسائل الملكية المتكررة لتؤكد أن مستقبل الحياة السياسية لا يمكن أن يُبنى إلا عبر أحزاب قوية، ديمقراطية داخليًا، قادرة على استقطاب الشباب وتمكينهم، لا استهلاك حماسهم ثم تركهم شهودًا على صراعات لا تشبه أحلامهم.
كما أن توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وضعت تشخيصًا واضحًا لأزمات العمل الحزبي، حين شددت على ضرورة تعزيز الديمقراطية الداخلية، وضمان الشفافية في تشكيل القيادات والقوائم، والحد من تأثير المال والشخصنة. وكانت الرسالة صريحة: لا تحديث سياسي حقيقي دون أحزاب تعكس في داخلها القيم التي تنادي بها في خطابها العام.
حين يرى الشباب هذا التباين بين الرؤية العليا للدولة وبين الممارسة اليومية لبعض الأحزاب، لا يحتاجون إلى كثير من التحليل ليقرروا موقفهم. فهم يقرأون التفاصيل الصغيرة بذكاء: كيف تُرتّب القوائم، ولماذا يتقدم بعض الأسماء دائمًا، ولماذا تُغلق الأبواب أمام آخرين. عندها لا يصبح العزوف عن العمل الحزبي حالة سلبية أو لامبالاة، بل خيارًا مفهومًا لحماية الأمل من خيبة متكررة، ورفضًا للانخراط في مشهد لا يعكس ما وُعدوا به من دولة برامج ومؤسسات.
القضية، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة ثقافة سياسية. أزمة تحويل الحزب من إطار جماعي لإنتاج الأفكار والبرامج إلى ساحة مصالح ضيقة. أزمة نسيان أن القيادة تكليف لا إرث، وأن التمثيل مسؤولية لا غنيمة. وحين يُفرَّغ هذا المعنى، تُختزل السياسة في صراع مواقع، وتفقد بعدها الإنساني في وعي الجيل الجديد.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من فرصة حقيقية، وإن كانت قاسية. فالأزمات الكبرى تكشف ما كان مستترًا، وتضع الجميع أمام مرآة الحقيقة. ما جرى يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الأحزاب إلى مراجعة شجاعة تنسجم مع إرادة الدولة في التحديث السياسي، مراجعة تعيد الاعتبار للفكرة قبل المقعد، وللكفاءة قبل القرابة، وللبرنامج قبل المال. وحدها هذه المراجعة كفيلة بأن تجعل الأحزاب شريكًا حقيقيًا في مشروع التحديث الوطني، لا عبئًا عليه، وبأن تعيد للشباب إيمانهم بأن السياسة ليست خيانة للأمل، بل طريقه الأصعب والأصدق.
ما جرى في قضية حزب العمال، من فصل نائب منتخب، ثم انتقال الخلاف إلى جدل واسع حول البديل، لم يعد حدثًا تنظيميًا داخليًا عابرًا، بل تحوّل إلى صورة كاشفة لهشاشة بنية العمل الحزبي، وإلى رسالة مقلقة تصل مباشرة إلى وجدان الشارع، وبالأخص إلى جيل الشباب الذي يُراد له أن يكون عماد المرحلة السياسية المقبلة.
في ظاهر المشهد، بدت القضية قانونية بحتة؛ طعون، محاكم، ونصوص يُحتكم إليها. غير أن خروجها إلى الفضاء العام نقلها من خانة القانون إلى سؤال أعمق يتعلق بالثقة. لم يعد السؤال: من ربح المعركة القانونية؟ بل: ماذا يرى الشاب الذي تابع القصة منذ بدايتها؟ أي معنى يستخلصه حين يشاهد حزبًا يرفع شعارات الإصلاح والتغيير، لكنه يغرق في نزاع طويل تُدار فصوله ببيانات متناقضة وخلافات داخلية، فيما يتحول المقعد النيابي من وسيلة لخدمة فكرة عامة إلى غاية يتصارع عليها الأفراد؟
الألم الحقيقي لا يكمن في فصل نائب أو تعيين آخر بقدر ما يكمن في المنطق الذي حكم المشهد بأكمله. حين يشعر المواطن، وخاصة الشاب، أن الخلافات داخل الأحزاب لا تُدار بروح الاختلاف الديمقراطي، بل بعقلية الإقصاء والغلبة، تتآكل الثقة بصمت. وحين يرى أن الانضباط الحزبي قد يُستخدم أحيانًا كسلاح، وأن النصوص القانونية تُستدعى انتقائيًا، يصبح العمل الحزبي في نظره مساحة طاردة لا حاضنة، وميدان صراع وليس فضاءً للأفكار والطموحات.
وما يزيد الصورة قتامة أن هذه الممارسات لا تقتصر على حزب واحد. ففي تجارب حزبية أخرى، وبدرجات متفاوتة، برزت أنماط لا تقل إرباكًا، حيث تصدّرت القوائم الانتخابية أسماء الأقارب والمقرّبين؛ شقيق هنا، وابن هناك، وصديق قديم في موقع آمن، لا بفعل تنافس داخلي نزيه، بل نتيجة قربه من مركز القرار. وفي حالات أضيق وأكثر إيلامًا، تسلل المال ليصبح معيارًا غير معلن، يفتح الطريق أمام من يستطيع تحمّل التكاليف، وكأن الانتماء الحزبي تحوّل من التزام أخلاقي وفكري إلى صفقة أو استثمار سياسي.
هذه الصورة، بما تحمله من إحباط، تتناقض بوضوح مع الرؤية السياسية التي عبّر عنها رأس الدولة، جلالة الملك عبد الله الثاني، ومع التوجه الذي يقوده الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، في الدفع نحو تحديث منظومة العمل السياسي وبناء حياة حزبية فاعلة تقوم على البرامج لا الأشخاص، وعلى المنافسة العادلة لا العلاقات الضيقة. فقد جاءت الرسائل الملكية المتكررة لتؤكد أن مستقبل الحياة السياسية لا يمكن أن يُبنى إلا عبر أحزاب قوية، ديمقراطية داخليًا، قادرة على استقطاب الشباب وتمكينهم، لا استهلاك حماسهم ثم تركهم شهودًا على صراعات لا تشبه أحلامهم.
كما أن توصيات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وضعت تشخيصًا واضحًا لأزمات العمل الحزبي، حين شددت على ضرورة تعزيز الديمقراطية الداخلية، وضمان الشفافية في تشكيل القيادات والقوائم، والحد من تأثير المال والشخصنة. وكانت الرسالة صريحة: لا تحديث سياسي حقيقي دون أحزاب تعكس في داخلها القيم التي تنادي بها في خطابها العام.
القضية، في جوهرها، ليست أزمة أشخاص بقدر ما هي أزمة ثقافة سياسية. أزمة تحويل الحزب من إطار جماعي لإنتاج الأفكار والبرامج إلى ساحة مصالح ضيقة. أزمة نسيان أن القيادة تكليف لا إرث، وأن التمثيل مسؤولية لا غنيمة. وحين يُفرَّغ هذا المعنى، تُختزل السياسة في صراع مواقع، وتفقد بعدها الإنساني في وعي الجيل الجديد.
ومع ذلك، لا يخلو هذا المشهد من فرصة حقيقية، وإن كانت قاسية. فالأزمات الكبرى تكشف ما كان مستترًا، وتضع الجميع أمام مرآة الحقيقة. ما جرى يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الأحزاب إلى مراجعة شجاعة تنسجم مع إرادة الدولة في التحديث السياسي، مراجعة تعيد الاعتبار للفكرة قبل المقعد، وللكفاءة قبل القرابة، وللبرنامج قبل المال. وحدها هذه المراجعة كفيلة بأن تجعل الأحزاب شريكًا حقيقيًا في مشروع التحديث الوطني، لا عبئًا عليه، وبأن تعيد للشباب إيمانهم بأن السياسة ليست خيانة للأمل، بل طريقه الأصعب والأصدق.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 14:53