أبو لبن يكتب: نكتب عنهم بعد الرحيل

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 10:34
نكتب عن الأصدقاء بعد رحيلهم، لا لأنهم صاروا فجأة أكثر عظمة أو وضوحًا، بل لأننا صرنا نحن أكثر وعيًا بما كان معنا ولم نره، وأكثر هشاشة أمام فراغ لم نكن نتوقعه. في حياتهم، يبدون عاديين. نجلس معهم، نتحدث، نضحك، نختلف أحيانًا، ثم نعود. حضورهم يبدو مألوفًا، شيئًا يمكن الاعتماد عليه، شيئًا يملأ الأيام بصمت، دون أن يتطلب تقديرًا صاخبًا. ندرك فقط بعد رحيلهم كم كان حضورهم حقيقيًا ومؤثرًا، وكم كانت لحظاتهم العابرة جزءًا من توازن حياتنا الداخلي.

في حياتهم، لا نكتب عنهم عادة. ليس لأننا لا نحبهم، بل لأننا نأخذهم كجزء من النسيج اليومي، مثل الهواء الذي نتنفسه أو الطريق الذي نسير فيه دون التفكير في كل تفاصيله. العاديّة هنا ليست تفريطًا، بل هي شكل من أشكال الألفة؛ الصديق حين يكون حاضرًا لا يحتاج إلى أن يُكتب عنه، لأنه جزء من التفاصيل التي لا تنتبه إليها العين، ولا تتوقف عندها الكلمات. نعتقد أن الوقت متّسع، وأن اللقاءات ستتكرر، وأن الكلمات يمكن تأجيلها، حتى إذا لم تُقل في حينها، فلن تفقد معناها.

لكن الفقد، حين يأتي، يعيد ترتيب كل شيء. الفراغ الذي يخلفه الصديق بعد الرحيل يكشف ما لم نره سابقًا. نكتشف فجأة أن ابتسامةً عابرة كانت تضيء يومًا كاملًا، وأن تعليقًا ساخرًا كان يخفف ثقل الأيام، وأن حضور شخص بعينه كان يمنح حياتنا توازنًا خفيًا لم نكن نعيه. تصبح التفاصيل الصغيرة التي أهملناها حجر الأساس لفهم تأثيره الحقيقي. حين يغيب الصديق، ندرك أن حياتنا لم تعد كما كانت، وأن بعض الأشياء لا تُقاس إلا بغيابها.

نكتب عنهم بعد رحيلهم لأن الكتابة تصبح الوسيلة الوحيدة لإعادة ترتيب هذا الفقد، لفهمه، لاستيعاب أثره. نحن لا نكتب عنهم فقط، بل عن علاقتنا بهم، عن المسافات الصغيرة التي غطوها في حياتنا بصمت، عن لحظات الهدوء التي خلقوها دون أن نلاحظها. الموت يجعلنا ننظر إلى الماضي بعينين جديدتين، كأن الضوء فجأة سُلّط على مشاهد كنا نمر بها بلا تأمل. الكتابة هنا ليست مجرد توثيق، بل محاولة لتأويل الحضور الذي لم نرَه إلا بعد اختفائه.

ثمّة شيء آخر يثقل الكتابة في حياتهم ويؤجّلها: الخوف. الخوف من المبالغة، من الحرج، من أن الكلمات تبدو أكبر من اللحظة نفسها. في حياتهم، نحجم عن الإفصاح الكامل، نكتفي بالبساطة، بالتحفّظ، بالاهتمام الصامت. بعد الرحيل، يتبدد هذا الخوف. لا يوجد من سيقرأ، أو يعترض، أو يبتسم بخجل. تصبح الكلمات حرّة، والاعتراف ممكنًا بلا قيود. نكتب إذن، ليس لنُرضيهم، بل لنُرضي أنفسنا، لنملأ الصمت الذي تركه غيابهم.

نكتب لأن الكتابة هي شكل من أشكال الحداد، هي الطريقة التي نحفظ بها حضورهم في داخلنا، ونمنح الفقد شكلًا يمكن احتماله. نحن لا نخلقهم أعظم مما كانوا، بل نكتشف في رحيلهم ما كان صامتًا، وما كان يعمل ببطء داخلنا: الأثر الذي لم نلاحظه حين كانوا معنا، الحب الذي لم نعرف كيف نعبر عنه، الدعم الذي لم نلتفت إليه. هذا التأثير، الذي يبدو في حياته اليومية عاديًا، يصبح بعد الغياب عظيمًا في شدته وعمقه.

الأصدقاء الذين نكتب عنهم بعد رحيلهم لم يتحولوا فجأة إلى رموز. هم كانوا كما هم: أناس عاديون، ثابتون، صامتون أحيانًا، متواضعون، حاضرون بطريقة لا تصرخ. عظمتهم كانت في قدرتهم على أن يكونوا هناك، على أن يخففوا عبء الحياة بصمتهم، على أن يكون وجودهم مجرد وجود ويترك أثرًا دائمًا. ونحن لم نره إلا حين اختفى، حين أصبح الفقد وسيلة لرؤية ما كان خفيًا طوال الوقت.

الكتابة بعد الرحيل إذن هي محاولة للتصالح مع الغياب، لتثبيت أثر من أحببناهم، لإعادة رسمهم في حياتنا، ولو في شكل ذكريات، ولو في شكل كلمات. هي اعتراف بأن بعض الناس لا يُفهمون إلا بعد أن يتركوا مكانهم فارغًا في العالم، وأن القيمة الحقيقية لا تكمن في الضجيج أو المظاهر، بل في اللحظات الصغيرة، في الحضور العادي الذي يصبح استثنائيًا حين يغيب. نكتب لأننا لا نستطيع الصمت بعد أن فقدنا، ولأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة لنقول لأنفسنا: كنتم أكثر مما اعتقدنا، أكثر مما قدرنا، وأكثر مما فهمنا في حياتكم.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/14 الساعة 10:34