الفقيه الدستوري نصراوين يكتب عن جدلية فصل النائب: في تفسير المادة (58) من قانون الانتخاب
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/13 الساعة 20:40
لا ينصرف الجدل القانوني الدائر اليوم حول من سيخلف النائب السابق في حزب العمال محمد الجراح إلى سبب شغور المقعد بقدر ما يتعلق بتحديد القاعدة القانونية الواجبة التطبيق من المادة (58) من قانون الانتخاب. فالمسألة لم تعد في مشروعية الفصل، وقد حسمتها المحكمة الإدارية العليا، وإنما في كيفية ملء المقعد الشاغر، وما إذا كان يكتفى بتطبيق الفقرة (4) من المادة المذكورة باعتبار أن الشغور نتج عن فصل حزبي، أم يجب إعمال الفقرة (3) منها لكون المقعد محسوبا ضمن "مقاعد الشباب" في القائمة الحزبية.
إن تفسير المادة (58) من قانون الانتخاب بفقرتيها يجب أن يقوم على التمييز بين أمرين مختلفين: سبب شغور المقعد من جهة، وطبيعة المقعد من جهة أخرى. فالنص الوارد في الفقرة (4) والمتعلق بالفصل الحزبي بقرار قضائي يعالج واقعة خروج النائب من الحزب، ويقرر أن المقعد يبقى داخل القائمة التي فاز عنها، حماية لإرادة الناخبين ومنع انتقاله إلى قائمة أخرى. غير أن النص المتعلق بمقاعد الشباب والمرأة يعالج مسألة مختلفة، هي صفة المقعد ذاته.
فالمشرع الأردني عندما خصص مقاعد للشباب في المادة (8/ج) من قانون الانتخاب عند تشكيل القائمة الحزبية في الدائرة العامة لم يقصد مجرد استيفاء شرط شكلي عند تقديم القوائم، بل أراد ضمان تمثيل فعلي ومستمر لهذه الفئة داخل مجلس النواب. ولذلك نص صراحة على أن المقعد المخصص للشباب، إذا شغر، يملأ من المترشح الذي يليه من فئة الشباب داخل القائمة ذاتها. فالعبرة هنا بصفة المقعد، لا بسبب شغوره.
ومن الناحية التحليلية، فإن المقعد النيابي في هذه الحالة ليس مجرد رقم داخل القائمة، بل هو وحدة تمثيلية ذات وظيفة محددة. فعندما يصف القانون مقعد بأنه مخصص للشباب، فإنه يضفي عليه صفة موضوعية تظل ملازمة له حتى بعد شغوره. ولو كان قصد المشرع أن تزول هذه الصفة بمجرد وقوع سبب من أسباب الشغور، لنص على ذلك صراحة. وعليه، فإن وجود الشاب أو المرأة ضمن تمثيل محدد في القائمة الحزبية ليس شرط لصحة القائمة ابتداء فحسب، بل هو ضمانة لاستمرار هذا التمثيل متى أحرز المقعد على هذا الأساس.
أما القول إن سبب الشغور يسقط صفة المقعد، فيعني عمليا أن تخصيص مقاعد للشباب يظل قائماً فقط لحظة الفوز، ثم يفقد أثره عند أول تغيير، وهو تفسير يضعف القيمة العملية للنص، ويتعارض مع إرادة المشرع ومخرجات لجنة التحديث السياسي التي هدفت إلى توسيع قاعدة المشاركة الشبابية في الحياة العامة.
وعند قراءة الفقرتين (3) و(4) معا لا يظهر تعارض حقيقي بينهما، بل تكامل واضح. فالفقرة المتعلقة بالفصل تحدد من أين يملأ المقعد، أي من داخل القائمة ذاتها، بينما الفقرة المتعلقة بالشباب تحدد من يسمى داخل تلك القائمة عندما يكون المقعد مخصص للشباب. إن إغفال صفة المقعد عند الاستخلاف يحول تخصيص مقاعد للشباب إلى مسألة شكلية، وهو ما يتعارض مع الهدف التشريعي في تعزيز مشاركة الشباب وضمان استمرار تمثيلهم.
ولا يقف الأمر عند حدود التفسير القانوني، بل يمتد إلى البعد الدستوري للنظام التمثيلي. فالمادة (70) من الدستور أحالت إلى قانون الانتخاب في تحديد شروط الترشح، وهو ما يمنح القواعد التي تنظم توزيع المقاعد وصفاتها – ومنها مقاعد الشباب – سند دستوري غير مباشر. واحترام صفة المقعد الشبابي عند شغوره هو في جوهره احترام للنظام التمثيلي الذي رسمه المشرع استنادا إلى هذا التفويض الدستوري.
وعليه، فإن تسمية مرشح الشباب التالي داخل القائمة الحزبية لا تمثل اجتهاداً خارج النص، بل تطبيق منسجم مع بنيته وروحه، وضمان لاستمرار التمثيل الشبابي كما أراده المشرع الأردني في قانون الانتخاب.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
إن تفسير المادة (58) من قانون الانتخاب بفقرتيها يجب أن يقوم على التمييز بين أمرين مختلفين: سبب شغور المقعد من جهة، وطبيعة المقعد من جهة أخرى. فالنص الوارد في الفقرة (4) والمتعلق بالفصل الحزبي بقرار قضائي يعالج واقعة خروج النائب من الحزب، ويقرر أن المقعد يبقى داخل القائمة التي فاز عنها، حماية لإرادة الناخبين ومنع انتقاله إلى قائمة أخرى. غير أن النص المتعلق بمقاعد الشباب والمرأة يعالج مسألة مختلفة، هي صفة المقعد ذاته.
فالمشرع الأردني عندما خصص مقاعد للشباب في المادة (8/ج) من قانون الانتخاب عند تشكيل القائمة الحزبية في الدائرة العامة لم يقصد مجرد استيفاء شرط شكلي عند تقديم القوائم، بل أراد ضمان تمثيل فعلي ومستمر لهذه الفئة داخل مجلس النواب. ولذلك نص صراحة على أن المقعد المخصص للشباب، إذا شغر، يملأ من المترشح الذي يليه من فئة الشباب داخل القائمة ذاتها. فالعبرة هنا بصفة المقعد، لا بسبب شغوره.
ومن الناحية التحليلية، فإن المقعد النيابي في هذه الحالة ليس مجرد رقم داخل القائمة، بل هو وحدة تمثيلية ذات وظيفة محددة. فعندما يصف القانون مقعد بأنه مخصص للشباب، فإنه يضفي عليه صفة موضوعية تظل ملازمة له حتى بعد شغوره. ولو كان قصد المشرع أن تزول هذه الصفة بمجرد وقوع سبب من أسباب الشغور، لنص على ذلك صراحة. وعليه، فإن وجود الشاب أو المرأة ضمن تمثيل محدد في القائمة الحزبية ليس شرط لصحة القائمة ابتداء فحسب، بل هو ضمانة لاستمرار هذا التمثيل متى أحرز المقعد على هذا الأساس.
أما القول إن سبب الشغور يسقط صفة المقعد، فيعني عمليا أن تخصيص مقاعد للشباب يظل قائماً فقط لحظة الفوز، ثم يفقد أثره عند أول تغيير، وهو تفسير يضعف القيمة العملية للنص، ويتعارض مع إرادة المشرع ومخرجات لجنة التحديث السياسي التي هدفت إلى توسيع قاعدة المشاركة الشبابية في الحياة العامة.
وعند قراءة الفقرتين (3) و(4) معا لا يظهر تعارض حقيقي بينهما، بل تكامل واضح. فالفقرة المتعلقة بالفصل تحدد من أين يملأ المقعد، أي من داخل القائمة ذاتها، بينما الفقرة المتعلقة بالشباب تحدد من يسمى داخل تلك القائمة عندما يكون المقعد مخصص للشباب. إن إغفال صفة المقعد عند الاستخلاف يحول تخصيص مقاعد للشباب إلى مسألة شكلية، وهو ما يتعارض مع الهدف التشريعي في تعزيز مشاركة الشباب وضمان استمرار تمثيلهم.
ولا يقف الأمر عند حدود التفسير القانوني، بل يمتد إلى البعد الدستوري للنظام التمثيلي. فالمادة (70) من الدستور أحالت إلى قانون الانتخاب في تحديد شروط الترشح، وهو ما يمنح القواعد التي تنظم توزيع المقاعد وصفاتها – ومنها مقاعد الشباب – سند دستوري غير مباشر. واحترام صفة المقعد الشبابي عند شغوره هو في جوهره احترام للنظام التمثيلي الذي رسمه المشرع استنادا إلى هذا التفويض الدستوري.
وعليه، فإن تسمية مرشح الشباب التالي داخل القائمة الحزبية لا تمثل اجتهاداً خارج النص، بل تطبيق منسجم مع بنيته وروحه، وضمان لاستمرار التمثيل الشبابي كما أراده المشرع الأردني في قانون الانتخاب.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/13 الساعة 20:40