بني مصطفى تكتب: التفكير المفرط في العصر الرقمي

د. مرام بني مصطفى
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 13:42
في عصر يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، يواجه كثير من الناس ظاهرة معاصرة تُعرف باسم التفكير الزائد أو Overthinking. هذه الحالة ليست مجرد عادة ذهنية عابرة، بل هي نمط معرفي يمكن أن يتحول إلى عبء نفسي يؤثر على جودة الحياة، الأداء الاجتماعي، والصحة النفسية والجسدية.

التفكير الزائد يُعرَّف بأنه الميل إلى التدقيق والتحليل المفرط والمتكرر في موضوع معين، بحيث يصبح التفكير هدفاً في حد ذاته، لا وسيلة لحل مشكلة أو اتخاذ قرار. ويتجاوز التفكير الفعّال الطبيعي إلى نمط من الاجترار والإعادة المتواصلة لنفس الأفكار والمواقف، ما يؤدي إلى عرقلة اتخاذ القرار وخلق حالة من ا لتحليل العقلس المستمر.

عند بعض الأشخاص، يتخذ التفكير الزائد شكلين ثابتين:

• التفكير في الماضي: إعادة تشغيل أحداث سابقة بلا توقف وربطها بالذكريات والمواقف .

• القلق بشأن المستقبل: توقع النتائج الكارثية أو السيناريوهات السلبية المحتملة.

لا يكتفي العقل بتحليل المعلومات بل قد يستمر في تدويرها بلا نتائج واضحة . ويُعزى ذلك لعدة عوامل نفسية واجتماعية، منها:

• الضغط النفسي وزيادة التوتر المرتبط بظروف الحياة اليومية.

• حالة عدم اليقين المستقبلية، خصوصاً لدى جيل الشباب (Generation Z)، مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تضخم توقعات النجاح والفشل.

• الشخصية الكمالية (Perfectionism) التي تدفع الفرد لإعادة التفكير مرات عديدة بحثاً عن “الإجابة المثالية”.

آثار التفكير الزائد على الصحة النفسية

أن التفكير الزائد ليس مجرد عادة عقلية ، بل عامل تنبؤي مهم لمجموعة من المشاكل الصحية والنفسية. أن التفكير الزائد يرتبط ارتباطاً كبيراً بالأعراض الجسدية، الضيق النفسي، والخلل في الوظائف الاجتماعية لدى البالغين و تؤثر على المهام الاساسية في الحياة كالعمل وانخفاض الانتاجية،العلاقات الاجتماعية والاسرية ،والحياة الاكاديمية،.

الأعراض النفسية والجسدية المرتبطة بالتفكير المفرط تشمل:

• القلق المزمن والاكتئاب نتيجة الحلقات الفكرية المكررة التي تثير استجابات توترية في الدماغ.

• اضطرابات النوم بسبب استمرار نشاط العقل خلال الليل.

• صعوبة في اتخاذ القرار ما يقود إلى تفاقم الشعور بالعجز والضيق.

هل التفكير الزائد مرض نفسي؟

من الناحية التشخيصية، لا يُصنَّف التفكير الزائد كاضطراب مستقل في الأدلة الإكلينيكية المعتمدة، إلا أنه يمثل نمطًا معرفيًا غير تكيفي يظهر بشكل متكرر لدى الأفراد الذين يعانون من الاضطرابات كأضطراب القلق، الاكتئاب، وغيرها.

ظاهرة التفكير الزائد لدى جيل Z (مواليد 1997–2012)، وتؤكد أن الضغوط الاجتماعية، التنافسية العالية، وحضور الإعلام الرقمي يؤثر في تصاعد نمط التفكير المفرط وقد يؤدي إلى اضطرابات نفسية لاحقة ما لم تُعالج هذه الظاهرة بأساليب معرفية ونفسية مدروسة. 

الحفاظ على صحة العقل لا يقل أهمية عن صحة الجسد. أن الوعي الذاتي المعرفي والتدخلات العلاجية القائمة على تقنيات مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، وتمارين الانتباه والتركيز ،تعمل على تقليل نمط الاجترار وإعادة التفكير الخاطئ، وتسهيل الانتقال من التفكير إلى اتخاذ القرار الفعّال.

التفكير الزائد ليس مجرد حالة حياتية بسيطة، بل هو ظاهرة نفسية معقدة تنطوي على تفاعلات بين العوامل المعرفية، الشخصية، والاجتماعية. كما على الأفراد الذين يعانون من نمط التفكير الزائد ضرورة فهم هذه الظاهرة بعمق، ومساعدة الأفراد على تطوير أدوات معرفية وصحية لتخفيف عبء العقل، وتحويل التفكير من عبء عقلي إلى أداة فعّالة في حياة صحية ومستقرة.وطلب المساعدة من الشخص المناسب لتخفيف من التفكير المفرط.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 13:42