باكو… حكايةُ مدينةٍ تمشي بثقة بين الأمس والغد

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 13:02
مدار الساعة - صالح الخوالدة -

منذ اللحظة الأولى لوصولنا إلى العاصمة الأذربيجانية باكو، بدت المدينة وكأنها تعزف سيمفونية خاصة تجمع بين التاريخ والحداثة، بين دفء الشرق وأناقة الغرب، في لوحة حضرية تتشكل على ضفاف بحر قزوين.

نحن، كوفد إعلامي أردني يزور المدينة حاليًا، وجدنا أنفسنا أمام تجربة بصرية وثقافية ثرية تتجاوز كونها جولة ميدانية، لتصبح رحلة في روح مدينة تعرف كيف تعيد تعريف نفسها دون أن تتخلى عن جذورها.

باكو مدينة تمشي بخطوتين؛ واحدة ثابتة في عمق التاريخ، وأخرى واثقة نحو المستقبل.

في “إيتشري شهر” أو المدينة القديمة، تتجلى الحكاية الأولى. الأزقة الحجرية الضيقة، والأسوار العتيقة، وبرج العذراء الذي يعلو شامخًا كحارسٍ للذاكرة، كلها تشهد على قرون من التفاعل الحضاري والتجاري الذي جعل من باكو محطة مهمة على طرق الحرير القديمة. هناك، يمكن للزائر أن يلمس تفاصيل الماضي في حجارة البيوت، وأن يسمع صدى العصور في وقع الأقدام على الطرق المرصوفة.

وعلى مسافة قصيرة، تنفتح المدينة على وجه آخر نابض بالحياة، يتجسد في شارع نظامي، القلب التجاري والثقافي الحديث لباكو. الشارع الذي يحمل اسم الشاعر الأذربيجاني الكبير نظامي كنجوي، ليس مجرد ممر للتسوق، بل مساحة اجتماعية مفتوحة تعكس ذوق المدينة وأناقتها. المباني ذات الطراز الأوروبي الكلاسيكي، المقاهي المنتشرة على جانبي الطريق، المحال العالمية، والعازفون الذين يضفون على المكان نغمًا خاصًا، جميعها تصنع مشهدًا حضريًا يذكر بزوايا من مدن أوروبية عريقة، لكن بروح قوقازية واضحة.

وأثناء تجوالنا في شارع نظامي، كان لافتًا ذلك الانسجام بين السكان والزوار. العائلات تتنزه بهدوء، الشباب يتبادلون الأحاديث، والسيّاح يلتقطون الصور تحت أضواء المساء التي تمنح الشارع بريقًا إضافيًا. المدينة تبدو آمنة، منظمة، ونظيفة، وكأنها تقدم نفسها بثقة كوجهة سياحية وثقافية متكاملة.

وعند الاقتراب من كورنيش بحر قزوين، تتبدل الإيقاعات مجددًا. هناك، يمتد البوليفارد البحري بمساحات خضراء واسعة وممرات مخصصة للمشاة والدراجات، في مشهد يبعث على الطمأنينة. النسيم القادم من البحر يخفف وطأة الحركة، ويمنح المكان بعدًا شاعريًا، خاصة مع انعكاس أضواء الأبراج الحديثة على صفحة المياه. وتبرز “أبراج الشعلة” في الأفق كرمز لباكو المعاصرة، بتصميمها الجريء الذي يستلهم عنصر النار، أحد أبرز رموز الثقافة الأذربيجانية.

ما يميز باكو ليس جمال عمرانها فحسب، بل قدرتها على خلق توازن بين التطوير والحفاظ على الهوية. مشاريع حديثة تتجاور مع معالم تاريخية دون تنافر، وشوارع عصرية تنفتح على ساحات تقليدية، في مشهد يعكس تخطيطًا مدروسًا ورؤية واضحة. كوفد إعلامي قادم من الأردن، وجدنا في هذا التوازن ما يدعو للتأمل، خصوصًا في كيفية استثمار المدينة لإرثها الثقافي ليكون رافعة للتنمية والسياحة.

في المساء، تتحول باكو إلى مدينة أضواء. الواجهات المعمارية تكتسي بإضاءة فنية مدروسة، والمقاهي تعج بالحياة، والموسيقى تنبعث من زوايا متعددة. ومع كل خطوة، يشعر الزائر أن المدينة تحاوره بصمت، تروي له قصتها بلغات متعددة، لكنها تبقى وفية لروحها.

باكو ليست مدينة تُزار على عجل؛ إنها مدينة تُعاش بتفاصيلها. بين شارع نظامي، وأسوار المدينة القديمة، وكورنيش بحر قزوين، تتشكل صورة عاصمة اختارت أن تكون جسرًا بين الأزمنة والثقافات.

ونحن نغادر يومنا الرابع في هذه المدينة، نحمل انطباعًا واضحًا: باكو لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تحرص أن تكون حاضرة في الذاكرة، كمدينة تعرف كيف تصنع الدهشة بهدوء.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 13:02