القيسي يكتب: كيف أخفق مشروع الحزب الديمقراطي الاجتماعي؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 10:38
حمل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني، لواء "الديمقراطية الاجتماعية". من حيث الفكرة والمبادىء التي تنادي بالعدالة الاجتماعية والحرية والتضامن، فكان عنوانا فكان جديرا بالاهتمام والمتابعة لكل متابع للشأن العام؛ فانضم له مثقفون وسياسيون وناشطون منحوا الحزب قوة تأثير وازنة.
لكن لو تحدثنا من الداخل الحزبي بحكم التجربة، وكتبنا بقلم التجربة وحبر الخبرة الشخصية التي كابدناها في حزب تأسس العام 2016 لقلنا إن الحزب خابت مساعيه في أن يظل نواة مشروع سياسي يحاول ترسيخ وجوده في الفضاء العام، وشاخ في سنواته الثلاث الأخيرة، وبات عاجزا عن الحركة الطبيعية، والعنوان الأبرز للإخفاق السياسي الحزبي الذريع.
بدايةً، لا بد لنا من التفريق بين مرحلتين من مسيرة الحزب: مرحلة التأسيس والانطلاق. بدأت العام 2016 وانتهت في العام 2023، وهو العام الذي انضم فيه للحزب ما يسمى بـ (تيار التنمية والتحديث)؛ وهو مجموعة غالبيتها من الأكاديميين تشكلت على عجل، وتفتقد للانسجام والتجانس بين أعضائها، ولا تحمل رؤية معرفية مرجعية واحدة؛ فهي مجموعة متعددة المشارب والتوجهات، ولا تنتمي للون سياسي وحزبي واضح ومحدد، وغالبيتها بلا خبرة سياسية في العمل العام، ورغم ذلك أطلقت على نفسها اسم تيار.
في لحظة مشبعة بغريزة البقاء في المشهد السياسي أعلن (التيار) تبينه لمبادىء الديمقراطية الاجتماعية، وأبدى عناصره رغبتهم السياسية المحمومة بالانضمام للحزب فرادى وتحت شعار الحزب ومبادئه ونظامه الأساسي واسمه الذي بات معروفا. وافق الحزب على انضمامهم بدوافع وطنية غايتها توحيد الصف اليساري الوسطي.
لكن ماذا جرى بعد ذلك؟
ما جرى، ببساطة، أن الغاية التي انطلت علينا بأنها تسعى لتوحيد لون الصف اليساري-الوسطي تحولت إلى مظلة شكلية بلا مضمون، وأن الشعار الذي رُفع باسم «الديمقراطية الاجتماعية» جلب معه ثارات شخصية نائمة أفضت إلى حرب انتخابية وحملات تشكيك شعواء، فصار الحزب ساحة صراعات لا مشروعاً فكرياً أو برنامجاً سياسياً قابلاً للإنجاز. ما عدنا نجد في الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد انضمام تيار التنمية والتحديث) مواقف أو برامج شبابية واضحة، ولا تصوراً اجتماعياً متكاملاً، ولا حتى هوية أيديولوجية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام. كل ما جاء به التيار كان ثرثرةً سياسية مملة، وخطاباً إنشائياً مكررا؛ يَعِد ولا يفعل، ويفرق ولا يجمع.
بمرور الوقت اتسعت الفجوة بين القاعدة الحزبية وقيادة الحزب الجديدة. القاعدة تبحث عن معنى ودور وتأثير حقيقي ملموس في الشارع، بينما انشغلت القيادات بحسابات المواقع الحزبية حتى أصبح الحزب أقرب إلى نادٍ انتخابي منه إلى إطار سياسي حي قادر على إنتاج مبادرات أو خوض معارك سياسية وطنية واجتماعية حقيقية. هنا، تحديداً، بدأت ملامح الإخفاق تتشكل على هيئة ديمقراطية اجتماعية مشغولة عن المجتمع بصراعاتها الداخليّة وحروبها المستعرة الصغيرة، وتحول الحزب إلى ساحة وغى تطحنه الخصومات الشخصية، وتفتك به الضغائن.
لم تكن المشكلة في الأشخاص فقط بقدر ما كانت في غياب النهج الديمقراطي وانعدام الحس الوطني بالمسؤولية؛ فالأحزاب لا تُقاس بعدد مؤسسيها ولا بسيرهم الذاتية وأمجادهم الشخصية؛ بل بقدرتها على تحويل المبادئ إلى سياسات عمل، والسعي إلى ترجمة الشعارات إلى واقع وتشريع. وحين يغيب هذا العمل تغدو "الديمقراطية الاجتماعية" مجرد مصطلح مستورد لا تناسب طروحاته الاقتصادية خصوصية الواقع الأردني.
إن أخطر ما في التجربة ليس الفشل بحد ذاته؛ فالفشل جزء من العمل العام، بل الكارثة في تسويق الفشل على أنه إنجاز ، والاستمرار في تكرار الخطاب الإنشائي الهلامي ذاته دون مراجعة أو نقد ذاتي؛ فالأحزاب التي لا تمارس النقد الذاتي تمارس تلقائياً خداع الذات، وحين تخدع نفسها لا يمكنها أن تقنع جمهوراً واعياً يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.
وعليه، فإن، مناسبة الحديث عن الفشل تأتي من باب الحرص على فكرة كان يُفترض لها أن تكون رافعة سياسية وثقافية واجتماعية في بلد يحتاج فعلاً إلى عدالة اجتماعية حقيقية، لا إلى نسخة لغوية عنها؛ فالديمقراطية الاجتماعية ليست بياناً حزبياً ينتمي لحقبة الأحزاب الشمولية، بل هي منظومة قيم وسياسات تسعى إلى تحسين حياة المواطنين في سائر شؤونهم اليومية خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والعمل. وما لم تتحول إلى ذلك ستبقى مرحلة حزبية انطوت على ماض عنوانه جميل وحاضره باهت، فيما مستقبله الوشيك الخروج من المشهد السياسي بقليل من ماء الوجه.
لكن لو تحدثنا من الداخل الحزبي بحكم التجربة، وكتبنا بقلم التجربة وحبر الخبرة الشخصية التي كابدناها في حزب تأسس العام 2016 لقلنا إن الحزب خابت مساعيه في أن يظل نواة مشروع سياسي يحاول ترسيخ وجوده في الفضاء العام، وشاخ في سنواته الثلاث الأخيرة، وبات عاجزا عن الحركة الطبيعية، والعنوان الأبرز للإخفاق السياسي الحزبي الذريع.
بدايةً، لا بد لنا من التفريق بين مرحلتين من مسيرة الحزب: مرحلة التأسيس والانطلاق. بدأت العام 2016 وانتهت في العام 2023، وهو العام الذي انضم فيه للحزب ما يسمى بـ (تيار التنمية والتحديث)؛ وهو مجموعة غالبيتها من الأكاديميين تشكلت على عجل، وتفتقد للانسجام والتجانس بين أعضائها، ولا تحمل رؤية معرفية مرجعية واحدة؛ فهي مجموعة متعددة المشارب والتوجهات، ولا تنتمي للون سياسي وحزبي واضح ومحدد، وغالبيتها بلا خبرة سياسية في العمل العام، ورغم ذلك أطلقت على نفسها اسم تيار.
في لحظة مشبعة بغريزة البقاء في المشهد السياسي أعلن (التيار) تبينه لمبادىء الديمقراطية الاجتماعية، وأبدى عناصره رغبتهم السياسية المحمومة بالانضمام للحزب فرادى وتحت شعار الحزب ومبادئه ونظامه الأساسي واسمه الذي بات معروفا. وافق الحزب على انضمامهم بدوافع وطنية غايتها توحيد الصف اليساري الوسطي.
لكن ماذا جرى بعد ذلك؟
ما جرى، ببساطة، أن الغاية التي انطلت علينا بأنها تسعى لتوحيد لون الصف اليساري-الوسطي تحولت إلى مظلة شكلية بلا مضمون، وأن الشعار الذي رُفع باسم «الديمقراطية الاجتماعية» جلب معه ثارات شخصية نائمة أفضت إلى حرب انتخابية وحملات تشكيك شعواء، فصار الحزب ساحة صراعات لا مشروعاً فكرياً أو برنامجاً سياسياً قابلاً للإنجاز. ما عدنا نجد في الحزب الديمقراطي الاجتماعي بعد انضمام تيار التنمية والتحديث) مواقف أو برامج شبابية واضحة، ولا تصوراً اجتماعياً متكاملاً، ولا حتى هوية أيديولوجية يمكن الدفاع عنها أمام الرأي العام. كل ما جاء به التيار كان ثرثرةً سياسية مملة، وخطاباً إنشائياً مكررا؛ يَعِد ولا يفعل، ويفرق ولا يجمع.
بمرور الوقت اتسعت الفجوة بين القاعدة الحزبية وقيادة الحزب الجديدة. القاعدة تبحث عن معنى ودور وتأثير حقيقي ملموس في الشارع، بينما انشغلت القيادات بحسابات المواقع الحزبية حتى أصبح الحزب أقرب إلى نادٍ انتخابي منه إلى إطار سياسي حي قادر على إنتاج مبادرات أو خوض معارك سياسية وطنية واجتماعية حقيقية. هنا، تحديداً، بدأت ملامح الإخفاق تتشكل على هيئة ديمقراطية اجتماعية مشغولة عن المجتمع بصراعاتها الداخليّة وحروبها المستعرة الصغيرة، وتحول الحزب إلى ساحة وغى تطحنه الخصومات الشخصية، وتفتك به الضغائن.
لم تكن المشكلة في الأشخاص فقط بقدر ما كانت في غياب النهج الديمقراطي وانعدام الحس الوطني بالمسؤولية؛ فالأحزاب لا تُقاس بعدد مؤسسيها ولا بسيرهم الذاتية وأمجادهم الشخصية؛ بل بقدرتها على تحويل المبادئ إلى سياسات عمل، والسعي إلى ترجمة الشعارات إلى واقع وتشريع. وحين يغيب هذا العمل تغدو "الديمقراطية الاجتماعية" مجرد مصطلح مستورد لا تناسب طروحاته الاقتصادية خصوصية الواقع الأردني.
إن أخطر ما في التجربة ليس الفشل بحد ذاته؛ فالفشل جزء من العمل العام، بل الكارثة في تسويق الفشل على أنه إنجاز ، والاستمرار في تكرار الخطاب الإنشائي الهلامي ذاته دون مراجعة أو نقد ذاتي؛ فالأحزاب التي لا تمارس النقد الذاتي تمارس تلقائياً خداع الذات، وحين تخدع نفسها لا يمكنها أن تقنع جمهوراً واعياً يعيش أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة.
وعليه، فإن، مناسبة الحديث عن الفشل تأتي من باب الحرص على فكرة كان يُفترض لها أن تكون رافعة سياسية وثقافية واجتماعية في بلد يحتاج فعلاً إلى عدالة اجتماعية حقيقية، لا إلى نسخة لغوية عنها؛ فالديمقراطية الاجتماعية ليست بياناً حزبياً ينتمي لحقبة الأحزاب الشمولية، بل هي منظومة قيم وسياسات تسعى إلى تحسين حياة المواطنين في سائر شؤونهم اليومية خصوصا في قطاعات الصحة والتعليم والنقل والعمل. وما لم تتحول إلى ذلك ستبقى مرحلة حزبية انطوت على ماض عنوانه جميل وحاضره باهت، فيما مستقبله الوشيك الخروج من المشهد السياسي بقليل من ماء الوجه.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/12 الساعة 10:38