الباشا السرحان يكتب: تجاهل الدور الأردني في المشهد الإقليمي.. قراءة في السياق والتاريخ
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 21:36
خلال لقاءات سياسية عُقدت في الأردن هذا الأسبوع، استمعتُ إلى المفكر السوري الدكتور برهان غليون، الذي تناول مستقبل إقليم الشرق الأوسط، وآفاق الوضع السوري، والدول الإقليمية والدولية الفاعلة في المشهدين الإقليمي والسوري. وقد ركّز في طرحه على الدول المؤثرة من منظور اقتصادي أو سياسي مدعوم بالقوة الصلبة، كما أشار إلى بعض الدول العربية ذات الأدوار الراهنة أو المتوقعة. غير أن اللافت كان تجاهل الأردن، وعدم الإشارة إليه، رغم دوره التاريخي والمحوري في قضايا الإقليم، وفي مقدمتها القضية السورية.
إن القراءة المنصفة للدور الأردني تؤكد أن الأردن، منذ نشأته، شكّل عامل أمن واستقرار، لا أداة فوضى أو تهديد. فقد نشأت إمارة شرق الأردن مع قدوم الأمير عبد الله بن الحسين في سياق مشروع عربي أوسع هدفه استعادة سوريا الفيصل، لتكون نواة للدولة العربية التي نادى بها الشريف حسين بن علي. إلا أن هذا المشروع اصطدم باتفاقية سايكس–بيكو ونقض الحلفاء لتعهداتهم، ما حال دون قيام الدولة العربية المنشودة في حينه.
وعليه، تأسست إمارة شرق الأردن لتكون قاعدة لذلك المشروع القومي، وبقيت تحت الانتداب البريطاني، في حين خضعت سوريا للاحتلال الفرنسي. وخلال تلك المرحلة، شارك مناضلون أردنيون إلى جانب أشقائهم العرب في مقاومة الاستعمار الفرنسي في سوريا، إلى أن نال البلدان استقلالهما عام 1946، لتتبلور الدول الحديثة بحدودها السياسية الراهنة.
ومن المهم التذكير بأن سوريا والأردن ولبنان وفلسطين ليست كيانات طارئة حضاريًا أو بشريًا، بل مناطق ذات عمق تاريخي ممتد، غير أن مسميات الدول وحدودها السياسية الحديثة تشكّلت في أعقاب مرحلة الاستعمار. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، نظر الأردن – نظامًا وشعبًا – إلى سوريا بوصفها امتدادًا طبيعيًا له، دون أطماع أو مصالح ضيقة، في حين شكّلت سياسات بعض الأنظمة السورية المتعاقبة مصدر قلق سياسي وأمني للأردن، وهو توصيف ينطبق على الأنظمة لا على الشعب السوري الشقيق، الذي تجمعه بالأردنيين روابط التاريخ والمصير المشترك.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بقي الموقف الأردني ثابتًا، داعيًا إلى حل سياسي شامل، ووقف الاقتتال، وتغليب البعد الإنساني، دون الانخراط في الصراع الداخلي. وقد احتضنت عمّان، على امتداد سنوات الأزمة، اجتماعات ومشاورات هدفت إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، والتوصل إلى تفاهمات سياسية تُعيد للدولة السورية قدرتها على النهوض. وقد أكدت تصريحات رسمية وإقليمية، من بينها تصريحات وزير الخارجية التركي، أن مسارات التفاهم حول سوريا انطلقت من عمّان قبل انتقالها إلى عواصم أخرى، بما يؤكد أن الأردن لم يكن يومًا على هامش القضية السورية.
ورغم أن الأردن لا يُعد في الظرف الراهن دولة ذات ثقل اقتصادي كبير، إلا أنه يمتلك عناصر قوة راسخة، في مقدمتها الأمن والاستقرار. فالأردن دولة ذات سيادة سياسية كاملة، تنتهج سياسة معتدلة ومتزنة، وتسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال دورها الأمني والدفاعي، وهو دور نادر في إقليم مضطرب. وقد شكّل الأمن القاعدة الصلبة التي ارتكز عليها الأردن، ليغدو عنصر توازن إيجابي ينعكس أثره على الداخل ودول الجوار ومنظومة الأمن الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، برزت العلاقة المتينة بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني بوصفها أحد أهم مصادر القوة الوطنية، إلى جانب مهنية الجيش العربي والأجهزة الأمنية. كما شكّل العنصر البشري الأردني قوة ناعمة مؤثرة، إذ أسهم الأردنيون في بناء وتطوير مؤسسات دول عربية وأجنبية، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة والأمن والإدارة العامة، وهو أثر يتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
ويُضاف إلى الدور السياسي والأمني للأردن بُعدٌ إنساني أصيل، تجلّى في استضافته مئات الآلاف من اللاجئين من أكثر من خمسين جنسية، وفي مقدمتهم الأشقاء السوريون، انطلاقًا من التزام أخلاقي وإنساني متجذّر في قيم الدولة الأردنية. وبتوجيهات مباشرة من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، واصل الأردن تقديم الخدمات الأساسية للاجئين، رغم الأعباء الاقتصادية الكبيرة، التزامًا بكرامة الإنسان، وعلى أمل عودتهم الطوعية والآمنة إلى وطنهم.
ورغم التغيرات التي شهدتها سوريا، لا تزال دوافع العودة محدودة في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، دون أن يتعرض اللاجئون لأي ضغط أو إكراه. وقد شدد الأردن، بقيادة جلالة الملك، منذ اندلاع الأزمة، على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته. كما أكد جلالته، بعد انهيار النظام السابق، استعداد الأردن لتقديم خبراته لدعم بناء مؤسسات الدولة السورية، وتعزيز التعاون الثنائي، ولا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب ومنع تهريب السلاح والمخدرات، بما يخدم أمن البلدين واستقرار المنطقة.
إن الأردن دولة تعتز بهويتها الوطنية، وعمقها العربي، وانتمائها الإسلامي، وبعدها الإنساني، وأي قراءة تتجاهل هذه العناصر أو تقلل من شأنها، هي قراءة غير دقيقة، ولا تعكس حقيقة الدور الأردني في الإقليم والعالم.
حمى الله الأردن، وطنًا، وشعبًا، وقيادة.
الدكتور برهان غليون؛ هو مفكّر سوري–فرنسي، وأستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس، كما شغل سابقًا منصب رئيس المجلس الوطني السوري.
إن القراءة المنصفة للدور الأردني تؤكد أن الأردن، منذ نشأته، شكّل عامل أمن واستقرار، لا أداة فوضى أو تهديد. فقد نشأت إمارة شرق الأردن مع قدوم الأمير عبد الله بن الحسين في سياق مشروع عربي أوسع هدفه استعادة سوريا الفيصل، لتكون نواة للدولة العربية التي نادى بها الشريف حسين بن علي. إلا أن هذا المشروع اصطدم باتفاقية سايكس–بيكو ونقض الحلفاء لتعهداتهم، ما حال دون قيام الدولة العربية المنشودة في حينه.
وعليه، تأسست إمارة شرق الأردن لتكون قاعدة لذلك المشروع القومي، وبقيت تحت الانتداب البريطاني، في حين خضعت سوريا للاحتلال الفرنسي. وخلال تلك المرحلة، شارك مناضلون أردنيون إلى جانب أشقائهم العرب في مقاومة الاستعمار الفرنسي في سوريا، إلى أن نال البلدان استقلالهما عام 1946، لتتبلور الدول الحديثة بحدودها السياسية الراهنة.
ومن المهم التذكير بأن سوريا والأردن ولبنان وفلسطين ليست كيانات طارئة حضاريًا أو بشريًا، بل مناطق ذات عمق تاريخي ممتد، غير أن مسميات الدول وحدودها السياسية الحديثة تشكّلت في أعقاب مرحلة الاستعمار. وفي مرحلة ما بعد الاستقلال، نظر الأردن – نظامًا وشعبًا – إلى سوريا بوصفها امتدادًا طبيعيًا له، دون أطماع أو مصالح ضيقة، في حين شكّلت سياسات بعض الأنظمة السورية المتعاقبة مصدر قلق سياسي وأمني للأردن، وهو توصيف ينطبق على الأنظمة لا على الشعب السوري الشقيق، الذي تجمعه بالأردنيين روابط التاريخ والمصير المشترك.
ومع اندلاع الأزمة السورية عام 2011، بقي الموقف الأردني ثابتًا، داعيًا إلى حل سياسي شامل، ووقف الاقتتال، وتغليب البعد الإنساني، دون الانخراط في الصراع الداخلي. وقد احتضنت عمّان، على امتداد سنوات الأزمة، اجتماعات ومشاورات هدفت إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، والتوصل إلى تفاهمات سياسية تُعيد للدولة السورية قدرتها على النهوض. وقد أكدت تصريحات رسمية وإقليمية، من بينها تصريحات وزير الخارجية التركي، أن مسارات التفاهم حول سوريا انطلقت من عمّان قبل انتقالها إلى عواصم أخرى، بما يؤكد أن الأردن لم يكن يومًا على هامش القضية السورية.
ورغم أن الأردن لا يُعد في الظرف الراهن دولة ذات ثقل اقتصادي كبير، إلا أنه يمتلك عناصر قوة راسخة، في مقدمتها الأمن والاستقرار. فالأردن دولة ذات سيادة سياسية كاملة، تنتهج سياسة معتدلة ومتزنة، وتسهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال دورها الأمني والدفاعي، وهو دور نادر في إقليم مضطرب. وقد شكّل الأمن القاعدة الصلبة التي ارتكز عليها الأردن، ليغدو عنصر توازن إيجابي ينعكس أثره على الداخل ودول الجوار ومنظومة الأمن الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، برزت العلاقة المتينة بين القيادة الهاشمية والشعب الأردني بوصفها أحد أهم مصادر القوة الوطنية، إلى جانب مهنية الجيش العربي والأجهزة الأمنية. كما شكّل العنصر البشري الأردني قوة ناعمة مؤثرة، إذ أسهم الأردنيون في بناء وتطوير مؤسسات دول عربية وأجنبية، ولا سيما في مجالات التعليم والصحة والأمن والإدارة العامة، وهو أثر يتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
ويُضاف إلى الدور السياسي والأمني للأردن بُعدٌ إنساني أصيل، تجلّى في استضافته مئات الآلاف من اللاجئين من أكثر من خمسين جنسية، وفي مقدمتهم الأشقاء السوريون، انطلاقًا من التزام أخلاقي وإنساني متجذّر في قيم الدولة الأردنية. وبتوجيهات مباشرة من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله، واصل الأردن تقديم الخدمات الأساسية للاجئين، رغم الأعباء الاقتصادية الكبيرة، التزامًا بكرامة الإنسان، وعلى أمل عودتهم الطوعية والآمنة إلى وطنهم.
ورغم التغيرات التي شهدتها سوريا، لا تزال دوافع العودة محدودة في ظل استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية، دون أن يتعرض اللاجئون لأي ضغط أو إكراه. وقد شدد الأردن، بقيادة جلالة الملك، منذ اندلاع الأزمة، على ضرورة التوصل إلى حل سياسي شامل، وتحميل المجتمع الدولي مسؤولياته. كما أكد جلالته، بعد انهيار النظام السابق، استعداد الأردن لتقديم خبراته لدعم بناء مؤسسات الدولة السورية، وتعزيز التعاون الثنائي، ولا سيما في مجالات مكافحة الإرهاب ومنع تهريب السلاح والمخدرات، بما يخدم أمن البلدين واستقرار المنطقة.
إن الأردن دولة تعتز بهويتها الوطنية، وعمقها العربي، وانتمائها الإسلامي، وبعدها الإنساني، وأي قراءة تتجاهل هذه العناصر أو تقلل من شأنها، هي قراءة غير دقيقة، ولا تعكس حقيقة الدور الأردني في الإقليم والعالم.
حمى الله الأردن، وطنًا، وشعبًا، وقيادة.
الدكتور برهان غليون؛ هو مفكّر سوري–فرنسي، وأستاذ علم الاجتماع السياسي، ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس، كما شغل سابقًا منصب رئيس المجلس الوطني السوري.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 21:36