بطاح يكتب: الولايات المتحدة وأوروبا.. تباعد وجفاء!

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 12:19
من المعروف تماماً في الأدبيات السياسية أن هناك علاقات استراتيجية متينة بين الولايات المتحدة وأوروبا ولعلّنا لا نبالغ إذا قلنا بأنّ الولايات المتحدة هي "بنت" أوروبا فمعظم مواطنيها في الواقع هم أوروبيون في الأصل، كما أنّ الولايات المتحدة ساندت أوروبا في الحربين العالميتين: الأولى (1914 – 1918) والثانية (1939 – 1945)، ولا يستطيع الأوروبيون أن ينسوا دور الولايات المتحدة في إنهاض أوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية من خلال مشروع "مارشال"، وكثيراً ما يداعب الأمريكيون الأوروبيين عندما يقولون لهم لولانا لكنتم الآن تتحدثون "الألمانية"، وربما "اليابانية"، في إشارة إلى إنقاذهم لأوروبا من النازية الألمانية والعسكرية اليابانية!

إنّ من الواضح أنّ هذه العلاقة أصابها الجفاء في عهد الإدارة الأمريكية الحالية (Trump administration) وذلك لأول مرة وبهذا المستوى منذ الحرب العالمية الثانية وتبدو مظاهر هذا الجفاء بل التباعد والانقسام من خلال المؤشرات الآتية:

أولاً: الخلاف حول الحرب بين روسيا وأوكرانيا فأوروبا ترى أن التصدي لروسيا واجب للحفاظ على الأمن الأوروبي، وبعضها يتخوف فعلاً في ألّا تكتفي روسيا بأوكرانيا بل تتوسع على حساب دول البلطيق (لاتيفيا، استونيا، لتوانيا) أو بولندا، بينما ترى الإدارة الأمريكية أن الحرب الروسية الأوكرانية استنزافية وأن من المفضل وقفها ولو على حساب أوكرانيا، وانطلاقاً من هذا الفهم فقد توقف ترامب عن تزويد أوكرانيا بالأسلحة وهو يبيعها لأوروبا لكي تزود بها أوكرانيا.

ثانياً: قضية "جرينلاند" فالولايات المتحدة على لسان رئيسها ترى أنها يجب أن "تستحوذ" على "جرينلاند" لما لها من أهمية إستراتيجية في الوقوف في وجه النفوذ الروسي والصيني، ولما يتوفر فيها من "معادن نادرة"، أما أوروبا فهي ترى أن هذه الجزيرة تتبع مملكة الدنمارك وهي إحدى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإحدى دول الاتحاد الأوروبي، ولذا فمن غير المعقول السيطرة على هذه الجزيرة بغير موافقة سكان الجزيرة ومملكة الدنمارك.

ثالثاً: الرسوم الجمركية فالإدارة الأمريكية ترى أنّ من حق الولايات المتحدة أن تفرض أية رسوم جمركية على الدول الأوروبية حماية للمصالح الأمريكية وبغير أيّ التفات إلى مصالح الدول الأوروبية، وبخاصة إذا خالفت هذه الدول سياسات الولايات المتحدة وتوجهات رئيسها التي قد تتغير بين يوم وآخر.

رابعاً: الموقف الأوروبي من الصين فهذه الدول تريد أن تعقد التحالفات الاقتصادية مع الصين كما فعل رئيس الوزراء البريطاني " ستارمر" في زيارته الأخيرة إلى الصين، وكما فعل الرئيس الفرنسي "ماكرون" قبله، وغني عن القول أنّ هذا يزعج الرئيس الأمريكي وقد عبّر عنه علناً وفي عبارات ليس فيها كثير من الاحترام للزعماء الأوروبيين.

خامساً: الرؤية الاستراتيجية الأمريكية للعام (2025) المتعلقة بأوروبا والتي اعتبرتها "هشة" وتشهد انحداراً حضارياً وفقداناً للهوية بفعل الهجرة وغيرها، وهذا فضلاً عن أن هذه الرؤية الاستراتيجية الأمريكية أعطت الأولوية لدول أمريكا الجنوبية (اللاتينية) على حساب أوروبا ولم تعتبر روسيا -على خلاف الدول الأوروبية- عدواً استراتيجياً بل اقتصرت على الصين.

إلى أين يمكن أن يمضي هذا التباعد بين الولايات المتحدة والصين؟ إنّ من غير الممكن أن ينتهي إلى قطيعة تامة بين الحليفين التاريخيين فأوروبا تدرك تماماً أنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها بدون الولايات المتحدة، والولايات المتحدة ليس من مصلحتها أن تخسر حليفاً وازناً في العالم وهو أوروبا لا على الصعيد العسكري (الناتو)، ولا على الصعيد الاقتصادي (الاتحاد الأوروبي)، ولعلّ من الجدير بنا أن نتذكر أنّ سياسات ترامب على رأس الإدارة الأمريكية الحالية قد تتغير عندما تنتهي ولايته بعد ثلاث سنوات وهذا ما حدث في الواقع حينما خلف "بايدن" ترامب في ولايته الأولى (2016 – 2020) فقد عاد إلى تحالف وثيق مع أوروبا بعد أن أضعفه ترامب.

إن الواقع يقول بأنّ العلاقات الأمريكية الأوروبية تستند إلى عوامل موضوعية: تاريخية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، ولذا فليس من المعقول أن يكون هناك "طلاق بائن" بينهما وإنّ الأقرب إلى المنطق أن يمضي "ترامب" بتباعده عن أوروبا وأن تستمر العلاقات الأمريكية الأوروبية بل قد تزدهر مستقبلاً وبخاصة إذا ظل العَدُوان استراتيجياً لكليهما روسيا والصين.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/10 الساعة 12:19