العتوم يكتب: موسكو وكييف وحوار الصفر

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 21:43
كل من يتابع الحرب الأوكرانية شيوعا ولا يستطيع حتى فهم من بدأ الحرب ، روسيا أم أوكرانيا ؟ وغير قادر على السبر في أغوارها ، يريد لها أن تنتهي ، وحديثي هنا ينسحب على الداخل الروسي و الأوكراني ، وعلى كل من يراقب أحداث و مجريات الحرب من الخارج ،من كافة أقصاع العالم . ولاتوجد حرب من دون مؤامرة ، و كل حرب الأصل أن تنتهي إلى سلام . ومثلي هنا الحروب الكبيرة العالمية ، الأولى و الثانية ، وقبلهما فيتنام ، و بعدهما أفغانستان ، وهكذا دواليك . و الان و كما أتابع ، فإن المفاوضات الروسية – الأوكرانية بعد محطة الإمارات وصلت إلى درجة الصفر بدلا من أن تفضي إلى نجاح و سلام دائم . وما ساعد على ذلك هو الإنسحاب المؤقت للولايات المتحدة الأمريكية من المفاوضات و الحوارات بشأن الحرب و الأزمة الروسية الأوكرانية للتفرغ للإنصات لإسرائيل ، و خدمة أهدافها قريبة المدى ، و المتعلقة بالتحرش بإيران بسبب قراءات استخبارية مشتركة لديهما لم توصلهما لنتيجة تريح أعصابهما بخصوص قضية التخصيب النووي الإيراني ، و الشروع لبناء قنبلة نووية تهدد أمن إسرائيل النووية ، وليس بالضرورة أمن أمريكا البعيدة عن إيران .

وفي المقابل ،فإن لشرق و جنوب العالم موقف مغاير ، و يختلف عن موقف إسرائيل و أمريكا من إيران . وكما نعرف ، فإن روسيا – ميدفيديف أعلنت بوجود دول راغبة بتزويد إيران بقنبلة نووية جاهزة لكي لا تبقى إسرائيل و أمريكا تدوران حول نفسهما في موضوع التخصيب النووي الإيراني . وما يرعب إسرائيل قبل أمريكا بالتزامن مع مشروع إيران السلمي ، و اصرار كلتاهما ، إسرائيل و أمريكا على أنه عسكري الطابع ، بينما هو راديكالية إيران التي تختلف عن السياسة الداخلية و الخارجية لدول الجوار النووية مثل باكستان و الهند مثلا . وكل ما ترويه إسرائيل تصدقه أمريكا ، و بينهما تعاون لوجستي بمعنى استخباري عميق دائم .

نعم ، روسيا – بوتين لم تبدأ الحرب الأوكرانية ، و إنما راقبت المشهد الأوكراني بدقة لوجستية وسط الثورات البرتقالية سابقا ، و انقلاب ( كييف ) لعام 2014 ،و تنبأت بأن أوكرانيا راغبة بإدارة الظهر لها و التجذيف تجاه الغرب ، و تحديدا تجاه حلف ( الناتو ) العسكري المعادي لها ،و التحالف مع الاتحاد الأوروبي الذي نصب العداء لروسيا مبكرا . و تمسكت روسيا بدستورها ، و بإتفاقية تفكيك الاتحاد السوفيتي لعام 1991 التي طالبت الدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي بما في ذلك أوكرانيا بالحياد و الابتعاد عن الناتو . و ارتكزت على مادة ميثاق الأمم المتحدة رقم 751 التي تخول الدول المعتدى على سيادتها الدفاع عن نفسها ، وهي المادة القانونية للأمم المتحدة التي تفسرها روسيا لصالحها ، و كذلك أوكرانيا .

و أول خطوة لروسيا جاءت بضم القرم ، و الذي هو روسي الأصل ، و يتمتع بموقع استراتيجي عسكري هام بحكم وجود اسطولها النووي في مياهه الدافئة ، و هو ليس الأسطول الوحيد لها بطبيعة الحال ، فالبحرية الروسية النووية عملاقة ، و منتشرة لحماية حدودها و سيادتها . و الخطوات الأوكرانية العدائية بعد ذلك جاءت متتابعة بالتعاون اللوجستي مع الاتحاد الأوروبي و أمريكا ، بعد تفسيرهم لاستقلال أوكرانيا بأنه منحة مجردة من الأمم المتحدة، غير مربوطة بإتفاقية انهيار الاتحاد السوفيتي لعام 1991 ، فتم التأسيس لمراكز بيولوجية ضارة بالمجتمع السلافي ومنه الروسي ، ولأكثر من قنبلة نووية ، و الشروع بالتطاول على جسر القرم ، و على القرى و المدن الحدودية وفي مقدمتها منطقة ( كورسك ) التي حررتها روسيا بعد عام من مكوث الجيش الأوكراني فيها ، وكبدتهم خسائر بشرية عسكرية فادحة . و رغبت روسيا بالسلام المبكر عبر اتفاقية ( مينسك ) – النورمندي التي اشتركت فيها عام 2015 بيلاروسيا ، و ألمانيا ، و فرنسا ، إلى جانب روسيا ، لكن الغرب و خاصة المانيا – ميركل خططوا بإتجاه معاكس بهدف كسب الوقت لتجميع السلاح الغربي في منطقة غرب أوكرانيا ، و لتشجيع نظام ( كييف ) البنديري المتطرف على تقديم الحرب على السلام ، و المضي إلى الأمام في مماحكة روسيا عبر حرب فاشلة سرابية . وطول مدة الحرب لا يعني ضعف روسيا ،و إنما حكمة المحارب الروسي في الزمن المطلوب . و روسيا منتصرة لا محالة في السلم و في الحرب ، لكن الاتحاد الأوروبي يبقى معيقا للسلام ، وغارقا في حرب فاشلة بالوكالة .

و الخطوة الثانية الروسية بعد القرم ، فتح صناديق الاقتراع التي ساعدته بتثبيت أقدامه الروسية بعدما عاش 60 عاما في كنف أوكرانيا ، بتوجيه من نيكيتا خرتشوف الأوكراني الأصل ، زعيم الاتحاد السوفيتي وقتها . و صوتت الاقاليم بعد ذلك و أقصد الدونباس لصالح الانضمام لروسيا . و حركت روسيا عمليتها الروسية الخاصة ، الدفاعية ، التحريرية بقرار رئاسي روسي تقدمه الرئيس الفولاذي فلاديمير بوتين ، و نجحت العملية في تحرير غالبية الدونباس ( لوغانسك و دونيتسك ) في الوقت الذي لم يتكمن فيه الجيش الأوكراني المسنود من الغرب من تحرير شبر واحد مما حررته روسيا . و سبب وصول المفاوضات الروسية الأوكرانية لدرجة الصفر ، هو تمسك روسيا بالأرض ، ومطالبة أوكرانيا ( كييف ) بالأرض ذاتها . وما حررته روسيا و دفعت مقابلة قافلة من الشهداء يستحيل أن تفرط به ، و ما خسرته ( كييف ) في الحرب ، و اعداد كبيرة من القتلى العكسر و الشهداء سيكون صعبا جدا استبداله مجددا بما خسرته من الأرض . واللبيب من الإشارة يفهم .

الجانب الروسي السياسي و العسكري متمسك بورقة السيادة الوطنية التي تشمل تحرير كامل الدونباس إلى جانب تحريره للقرم . و لقد صرح الرئيس بوتين مؤخرا بأن بلاده روسيا باتت مستقلة ، و ذات سيادة ، و بأن المطلوب من أوكرانيا ، و قصد غرب أوكرانيا ، مغادرة جنودها لمنطقة دونيتسك . و أصبح مطلوبا من العاصمة ( كييف ) ونظامها السياسي قبول سلام الأمر الواقع ، وهي التي بدأت الحرب بالتعاون مع الغرب . و مطلوب منها أيضا فصل أجنحتها عن الاتحاد الأوروبي الذي اتضح لها و على لسان رئيسه المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي بأنه خادع له . و تماما كما انفصلت أمريكا سياسيا عن الاتحاد الأوروبي ، و انفصل نظامها العسكري أيضا داخل حلف (الناتو) ، و خلافات بينهما داخله على المداخيل المالية تنذر بانقسام ( الناتو) إلى قسمين أمريكي و اتحاد أوروبي .

و أخر محطات الحرب الأوكرانية بكل الأحول ستكون السلام و التوجه للمشاركة في بناء عالم متعدد الأقطاب ، عادل، يلغي العمل باحادية القطب المتغولة على أركان العالم . والوصول لمحطة التنمية الشاملة ، وبناء أمم متحدة على أسس قانونية جديدة ، و مجلس أمن كذلك بطراز قانوني جديد . وحديث حالي للرئيس بوتين أضح فيه عودة الوفد الأمريكي المفاوض لموسكو. دعونا نراقب تطورات المشهد .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 21:43