أبو لبن يكتب: عتمة السلطة والمال.. حين يصبح الصمت قانونًا

الدكتور زياد أبو لبن
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 10:20
لم تكن حكاية إبستين مجرد سقوط رجلٍ من علٍ أو فضيحة شخصية، بل كانت شقًّا في جدارٍ سميك طويل الأمد، شقًّا تكشّف منه ضوءٌ صارخ على عالم اعتاد العتمة، عالم تصنع فيه السلطة والمال غطاءً لكل ما لا يُسمح برؤيته، ويُدار فيه الصمت كما تُدار الكنوز. ما يبدو للوهلة الأولى حدثًا منفردًا، لم يكن سوى انعكاس لمنظومة كاملة، حيث يتقاطع النفوذ مع المصالح، ويُغلق كل مسار للمساءلة قبل أن يُفتح، ويُخفى كل صوتٍ قبل أن يُسمع. إبستين ليس اسمًا فقط، بل رمز لمن يملك القدرة على تحويل الجريمة الفردية إلى سرٍّ منسي، يحميه المال، ويؤطره الصمت، ويغذيه الخوف والضرورات الاجتماعية والسياسية، حتى يبدو أن القانون مجرد مشهد يُعرض على مسرحٍ لا يملك فيه القاضي سوى الدور التمثيلي.

في فضاءات كثيرة، ومن بينها مجتمعاتنا العربية، لا تُرتكب الانتهاكات في الخفاء فحسب، بل يُدار الفعل في العلن المتواطئ، وحينها يكفي وجود مؤسسات متحكَّم بها، وإعلام خاضع، وخوف اجتماعي راسخ، لتصبح الجرائم أمرًا ممكنًا ومتكررًا، مع استبعاد أي أثر للمساءلة الحقيقية. لا يحتاج الانتهاك إلى جزر معزولة أو طائرات خاصة؛ يكفي أن يكون هناك جهاز قضائي يُسيَّس، وإعلام يُوجَّه، ومجتمع يُربَّى على الخوف من الفضيحة. حينها، يصبح الصمت قانونًا والسكوت حماية، ويصبح الحق ثمنًا باهظًا يدفعه من يجرؤ على السؤال، بينما تُمنح البراءة مسبقًا لكل من يمتلك مفاتيح الإغلاق.

المال هنا لا يشتري الصمت فحسب، بل يعيد تشكيل اللغة نفسها، يعيد تعريف الضحايا كمتهمين، ويحوّل الشهادة إلى قضية "غير مكتملة"، والوقائع إلى أحداث قابلة للتأويل. تتحوّل الكلمات إلى رموز متناوبة، يعبأ كل منها بحسب الحاجة، ويُفرغ كل معنى منها عند الضرورة، ليصبح الانتهاك مجرد وجهة نظر، والنجاة من العقاب مجرد احتمال يُدار بحنكة، في مجتمع يرى في كشف الحقيقة تهديدًا لصورةٍ لا للإنسان، ويجعل من حماية الاسم والواجهة قيمة أعلى من حماية الحق.

الخطأ الأكبر هو البحث عن "الوحوش" بدل فهم الأقفاص التي وُضعت فيها هذه الوحوش، فالأشخاص يتبدلون، لكن البنية التي تسمح لهم بالاستمرار هي التي تظل قائمة إن لم تُكسَر. السؤال الحقيقي ليس من ارتكب الفعل، بل من حمى الفعل، ومن أغلق الملفات، ومن أقنع الناس أن الصمت حكمة، وأن الشك خيانة، ومن صنع من الحذر ثقافةً مرعية تُصبح قاعدةً تحمي الانتهاك وتكرّسه. كلما غابت الرقابة، كلما انفلت المال، وكلما غابت الشفافية، يصبح الانحراف احتمالًا منطقيًا، وليس استثناءً نادرًا، ويستمر النظام في إعادة إنتاج ذاته، وجعل ما كان يجب أن يُدان يمرّ كأمر اعتيادي، حتى تختلط الجرائم بالروتين، وتصبح الحصانة أكثر قيمة من القانون نفسه.

إنها ليست مسألة أسماء أو وجوه، بل منظومة تحمي نفسها، وتعطي لنفسها الحق في الكتابة على الهواء وعلى الزمن، وتترك الأجيال المقبلة لترى أن الصمت هو السياسة، وأن المكاسب تفوق الأخلاق، وأن الفضيحة أخطر من الجريمة نفسها. العدالة ليست كشفًا مضرًا للأوطان، وليست تهديدًا، بل هي مجرد أداة للحقيقة، ومفتاح لإعادة التوازن، ومكان لضمير المجتمع كي يسمع صوت الضعيف، ويجعل من القوي مسؤولًا. إن لم تُفتح النوافذ وتُكسَر الأقفاص، سيولد "إبستين" آخر باسم آخر، في مكان آخر، وتحت حماية أكثر صمتًا، وسيستمر النظام في إنتاج الانتهاك، وجعل الحماية حكرًا على من يملك السلطة، والضحية مرئيّة بلا صوت، ويمتد الظلام فوق ما تبقى من حقٍ لم يولد بعد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 10:20