ازدواجية المعايير لدى النواب المنسحبين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 02:19
أثار انسحاب النواب الإسلاميين من الجلسة التشريعية التي أقر فيها المجلس النيابي عددا من مشاريع قوانين المصادقة على اتفاقيات دولية من القراءة الأولى دون إحالتها إلى اللجان النيابية تساؤلات دستورية حول طبيعة هذا السلوك وحدوده، وما إذا كان يعد تعبيرا مشروعا عن موقف سياسي، أم يعكس ازدواجية غير مبررة في التعامل مع مشاريع القوانين وإجراءات إقرارها.
إن الانسحاب من الجلسات البرلمانية يعد شكلا من أشكال التعبير السياسي التي تمارسها الكتل والأحزاب النيابية لإيصال رسالة احتجاج للرأي العام، حين ترى أن مخالفة جسيمة لأحكام النظام الداخلي أو الدستور قد وقعت، أو أن تضييقا جوهريا قد لحق بحق النواب في إبداء الرأي والمشاركة الفعلية في النقاش. غير أن هذا السلوك، رغم مشروعيته من حيث المبدأ، يظل أداة استثنائية لا يفترض أن تتحول إلى ممارسة اعتيادية أو بديلا عن أدوات النقاش والاعتراض داخل البرلمان.
وبالعودة إلى انسحاب نواب التيار الإسلامي اعتراضا على إقرار المجلس لمشاريع قانونين من القراءة الأولى دون إحالتها إلى اللجان المختصة، يتبين أن هذا الإجراء التشريعي للمجلس له ما يسنده قانونا في النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي لم يجعل إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان إجراء وجوبيا في جميع الأحوال.
فالمادة (77) من النظام الداخلي تنظم آلية التعامل مع مشاريع القوانين، إذ تنص صراحة على أن "يُقرأ أي مشروع قانون علنا في المجلس، فإذا رأى المجلس أن هناك حاجة لمشروع القانون يضع الرئيس في الرأي أمر إحالته إلى اللجنة المختصة"، وهو ما يفيد أن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان النيابية تمثل خيارا إجرائيا متروكا لتقدير المجلس، لا التزاما مفروضا عليه. ويؤكد هذا التوجه نص المادة (83) من النظام الداخلي، فيما يتعلق بمشاريع القوانين الخاصة بالموافقة على المعاهدات أو الاتفاقيات، إذ يملك المجلس صلاحية إقرارها أو رفضها دون إدخال أي تعديل على نصوصها.
ولا يختلف الأمر في النظام الداخلي لمجلس الأعيان، حيث أجازت المادة (44) منه لرئيس المجلس، في حالات الاستعجال، إحالة مشروع القانون مباشرة إلى المجلس، الذي يملك صلاحية رفض المشروع أو إقراره أو إحالته إلى اللجنة المختصة. كما قررت المادة (49) من النظام الداخلي لمجلس الأعيان القاعدة ذاتها في شأن مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات أو الاتفاقيات، من حيث الإقرار أو الرفض دون تعديل.
وتدل هذه النصوص القانونية مجتمعة على أن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان النيابية تمثل مسارا تنظيميا أصيلا في العمل البرلماني، لكنها لا ترقى، في جميع الأحوال، إلى مرتبة القيد الإجرائي الملزم الذي يترتب على تجاوزه بطلان الإجراء أو وصفه بالمخالفة الجسيمة. وهو ما يستقيم أيضا مع التجارب البرلمانية المقارنة، ولا سيما التجربة الفرنسية، حيث تنص المادة (42) من دستور الجمهورية الخامسة على أن المناقشة في الجلسة العامة تتم، كأصل عام، على أساس النص الذي تعتمده اللجنة المختصة، ما لم تتم الموافقة على خلاف ذلك، بما يدل على أن الإحالة تمثل المسار الغالب لا القيد الإجرائي الملزم، وهو النهج ذاته الذي تبناه النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية.
وبعد أن ثبت باليقين الدستوري أن إقرار مشاريع القوانين من القراءة الأولى دون إحالتها إلى اللجان المختصة يشكل ممارسة تشريعية سليمة لها سندها في الأنظمة الداخلية، وإن كانت ممارسة استثنائية، يثور التساؤل حول دوافع الانسحاب الجماعي لنواب حزب جبهة العمل الإسلامي من الجلسة، ولا سيما أن النواب أنفسهم وافقوا قبل أيام قليلة على إقرار مشروع القانون المعدل لقانون خدمة العلم والخدمة الاحتياطية من القراءة الأولى دون إحالته إلى اللجنة القانونية، من دون أن يبادر أي منهم إلى إثارة اعتراض إجرائي مماثل.
وعليه، فإن هذا التباين في المواقف النيابية يكشف عن ازدواجية في التعامل مع المسارات التشريعية، حيث يجري توصيف الإجراء ذاته بوصفه إخلالا بالمشروعية الدستورية في حالة معينة، في حين يتم القبول به أو التغاضي عنه في حالات تشريعية أخرى مماثلة. فأدوات الاحتجاج الإجرائي تفقد مشروعيتها حين تستخدم بصورة انتقائية تبعا لطبيعة المشروع أو مضمونه السياسي، ذلك أن الاحتجاج النيابي، لكي يؤدي وظيفته الدستورية على نحو سليم، يفترض أن يستند إلى قواعد موحدة تطبق على جميع المسارات التشريعية دون تمييز.
خلاصة القول، وفي السياق الأردني، لا يجوز التعامل مع الانسحاب من الجلسات البرلمانية بوصفه حقًا مطلقًا غير مقيّد بآثاره العملية على سير العمل النيابي. فالانسحاب، وإن كان سلوكا مشروعا من حيث الأصل، يفقد صفته الدستورية إذا أسيء استخدامه على نحو يؤدي إلى تعطيل انعقاد الجلسات أو الإخلال المتعمد بالنصاب القانوني، إذ يتحول عندئذٍ من أداة تعبير نيابي مشروعة إلى مخالفة برلمانية تمس جوهر الوظيفة التشريعية للمجلس وتكون موجبة للمساءلة النيابية.
إن الانسحاب من الجلسات البرلمانية يعد شكلا من أشكال التعبير السياسي التي تمارسها الكتل والأحزاب النيابية لإيصال رسالة احتجاج للرأي العام، حين ترى أن مخالفة جسيمة لأحكام النظام الداخلي أو الدستور قد وقعت، أو أن تضييقا جوهريا قد لحق بحق النواب في إبداء الرأي والمشاركة الفعلية في النقاش. غير أن هذا السلوك، رغم مشروعيته من حيث المبدأ، يظل أداة استثنائية لا يفترض أن تتحول إلى ممارسة اعتيادية أو بديلا عن أدوات النقاش والاعتراض داخل البرلمان.
وبالعودة إلى انسحاب نواب التيار الإسلامي اعتراضا على إقرار المجلس لمشاريع قانونين من القراءة الأولى دون إحالتها إلى اللجان المختصة، يتبين أن هذا الإجراء التشريعي للمجلس له ما يسنده قانونا في النظام الداخلي لمجلس النواب، الذي لم يجعل إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان إجراء وجوبيا في جميع الأحوال.
فالمادة (77) من النظام الداخلي تنظم آلية التعامل مع مشاريع القوانين، إذ تنص صراحة على أن "يُقرأ أي مشروع قانون علنا في المجلس، فإذا رأى المجلس أن هناك حاجة لمشروع القانون يضع الرئيس في الرأي أمر إحالته إلى اللجنة المختصة"، وهو ما يفيد أن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان النيابية تمثل خيارا إجرائيا متروكا لتقدير المجلس، لا التزاما مفروضا عليه. ويؤكد هذا التوجه نص المادة (83) من النظام الداخلي، فيما يتعلق بمشاريع القوانين الخاصة بالموافقة على المعاهدات أو الاتفاقيات، إذ يملك المجلس صلاحية إقرارها أو رفضها دون إدخال أي تعديل على نصوصها.
ولا يختلف الأمر في النظام الداخلي لمجلس الأعيان، حيث أجازت المادة (44) منه لرئيس المجلس، في حالات الاستعجال، إحالة مشروع القانون مباشرة إلى المجلس، الذي يملك صلاحية رفض المشروع أو إقراره أو إحالته إلى اللجنة المختصة. كما قررت المادة (49) من النظام الداخلي لمجلس الأعيان القاعدة ذاتها في شأن مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على المعاهدات أو الاتفاقيات، من حيث الإقرار أو الرفض دون تعديل.
وتدل هذه النصوص القانونية مجتمعة على أن إحالة مشاريع القوانين إلى اللجان النيابية تمثل مسارا تنظيميا أصيلا في العمل البرلماني، لكنها لا ترقى، في جميع الأحوال، إلى مرتبة القيد الإجرائي الملزم الذي يترتب على تجاوزه بطلان الإجراء أو وصفه بالمخالفة الجسيمة. وهو ما يستقيم أيضا مع التجارب البرلمانية المقارنة، ولا سيما التجربة الفرنسية، حيث تنص المادة (42) من دستور الجمهورية الخامسة على أن المناقشة في الجلسة العامة تتم، كأصل عام، على أساس النص الذي تعتمده اللجنة المختصة، ما لم تتم الموافقة على خلاف ذلك، بما يدل على أن الإحالة تمثل المسار الغالب لا القيد الإجرائي الملزم، وهو النهج ذاته الذي تبناه النظام الداخلي للجمعية الوطنية الفرنسية.
وبعد أن ثبت باليقين الدستوري أن إقرار مشاريع القوانين من القراءة الأولى دون إحالتها إلى اللجان المختصة يشكل ممارسة تشريعية سليمة لها سندها في الأنظمة الداخلية، وإن كانت ممارسة استثنائية، يثور التساؤل حول دوافع الانسحاب الجماعي لنواب حزب جبهة العمل الإسلامي من الجلسة، ولا سيما أن النواب أنفسهم وافقوا قبل أيام قليلة على إقرار مشروع القانون المعدل لقانون خدمة العلم والخدمة الاحتياطية من القراءة الأولى دون إحالته إلى اللجنة القانونية، من دون أن يبادر أي منهم إلى إثارة اعتراض إجرائي مماثل.
وعليه، فإن هذا التباين في المواقف النيابية يكشف عن ازدواجية في التعامل مع المسارات التشريعية، حيث يجري توصيف الإجراء ذاته بوصفه إخلالا بالمشروعية الدستورية في حالة معينة، في حين يتم القبول به أو التغاضي عنه في حالات تشريعية أخرى مماثلة. فأدوات الاحتجاج الإجرائي تفقد مشروعيتها حين تستخدم بصورة انتقائية تبعا لطبيعة المشروع أو مضمونه السياسي، ذلك أن الاحتجاج النيابي، لكي يؤدي وظيفته الدستورية على نحو سليم، يفترض أن يستند إلى قواعد موحدة تطبق على جميع المسارات التشريعية دون تمييز.
خلاصة القول، وفي السياق الأردني، لا يجوز التعامل مع الانسحاب من الجلسات البرلمانية بوصفه حقًا مطلقًا غير مقيّد بآثاره العملية على سير العمل النيابي. فالانسحاب، وإن كان سلوكا مشروعا من حيث الأصل، يفقد صفته الدستورية إذا أسيء استخدامه على نحو يؤدي إلى تعطيل انعقاد الجلسات أو الإخلال المتعمد بالنصاب القانوني، إذ يتحول عندئذٍ من أداة تعبير نيابي مشروعة إلى مخالفة برلمانية تمس جوهر الوظيفة التشريعية للمجلس وتكون موجبة للمساءلة النيابية.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/08 الساعة 02:19