القيسي يكتب: ما جرى يوم الجمعة.. حين يفقد الحزب هويته

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/07 الساعة 14:00
ما جرى يوم الجمعة لم يكن مجرد انتخابات داخلية لحزب سياسي؛ بل كان ــ في جوهره ــ إعلاناً غير رسمي عن نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر غموضا وارتباكا. لم يخسر الحزب الديمقراطي الاجتماعي أمس بعض أسماء رموزه القيادية وحسب، بل خسر شيئا أعمق وأخطر؛ فقد خسر صورته التي تشكلت في الوعي العام منذ تأسيسه، وخسر التوازن الذي كان يمنحه الهوية والمعنى والملامح السياسية.

من يتابع مسار الحزب منذ انطلاقته عام 2016 يدرك أن الحديث لا يتعلق بتبدّل أشخاص بقدر ما يتعلق بتبدّل روح كاملة. فقد مر الحزب بمرحلتين واضحتين؛ الأولى كانت مرحلة تأسيس وبناء وانطلاق، حملت وضوحاً فكريا وتنظيما منسجما، وأسماء ذات حضور سياسي وثقافي واجتماعي وازن. كانت تلك المرحلة، رغم محدودية الإمكانات، تحمل قدْراً من الاحترام الداخلي والتضامن الرفاقي، وتفتح أبوابها للنقد، خصوصاً من قطاع الشباب، دون خوف أو حساسية مفرطة.

في تلك السنوات الأولى، لم يكن الحزب واسع النفوذ، لكنه كان واضح اللون السياسي، منتمياً لوسط اليسار، مدفوعا بمبادئ الديمقراطية الاجتماعية والعدالة والحرية والتضامن. ومع استقطاب شخصيات عامة ذات ثقل نوعي، بدأ حضوره يتعزز تدريجياً، وتشكلت هيئاته القيادية عبر مؤتمرات انتخابية اتسمت ــ إلى حد بعيد ــ بطابع ديمقراطي مقبول قياساً بحداثة التجربة الحزبية في البلاد. لم يكن المشهد مثالياً، لكنه كان منسجماً، وكانت البوصلة واضحة.

غير أن اللحظة التي فُتح فيها الباب لانضمام “تيار التنمية والتحديث” دون مؤتمر استثنائي عام هي اللحظة التي بدأ فيها العدّ التنازلي لاختلال التوازن الداخلي. لم تكن المشكلة في مبدأ الانضمام بحد ذاته؛ فالأحزاب الحية تتوسع وتقبل الانضمام وتندمج وتتجدد. المشكلة كانت في الطريقة التي أُديرت بها "عملية الانضمام"، وفي غياب الإجراءات التنظيمية التي تضمن العدالة في التمثيل وتحافظ على التوازن بين الخبرة السياسية والحضور العام والعدد.

تحوّل التعدد إلى نزاع، وانقلبت الشراكة الحزبية التي قبلناها إلى استعلاء علينا وهيمنة على الحزب، وغدت الديمقراطية الداخلية إجراءً شكليا لا أكثر، ومع مرور الوقت، لم يعد الخلاف سياسياً بقدر ما أصبح معرفيا وشخصيا، وتسللت لغة الاتهام و"التخوين" والاحتقان إلى الاجتماعات الخاصة والعامة، وبدأ الحزب يفقد تدريجيا قدرته على إنتاج خطاب موحد أو قرار متماسك. محطة الانتخابات البرلمانية كشفت بوضوح حجم الخلل التنظيمي؛ إذ بدت التحالفات مرتبكة، والقرارات متضاربة وفردية وشخصية، فجاء النتائج مخيبة للآمال، بينما تهرّب الجميع من تحمّل المسؤولية.

ومع تراكم الإحباط، استقطبت حالة الغضب الداخلي مجموعات جديدة بلا تجانس ولا انسجام فكري أو تنظيمي، وأُجريت انتخابات داخلية أفرزت هيئات تفتقر إلى الخبرة الساسية والحضور العام، لتصل الأمور في نهاية المطاف إلى "ما جرى يوم الجمعة": مشهد انتخابي خلت نتائجه، إلى حد كبير، من الرموز والمؤسسين ومن الأسماء التي شكّلت ذاكرة الحزب ومرجعيته المعنوية والسياسية والثقافية.

قد تُعاد هيكلة المكاتب السياسية، وقد تُعقد مؤتمرات جديدة، وقد تُضخ دماء شابة في الشرايين التنظيمية، لكن استعادة الثقة بحزب أصعب بكثير من إعادة انتخاب هيئة قيادية. فالثقة تُبنى ببطء وتهدم بسرعة، والهوية السياسية لا تتشكل بقرار فرد بل بمشاركة جماعية ومراجعة عميقة وشجاعة تعترف بالأخطاء قبل البحث عن المجد الشخصي والفرح بتصفية رفاق الأمس/أعداء اليوم .

"ما جرى يوم الجمعة" هو محطة كاشفة لمسار حزبي كامل. والحزب اليوم لا يقف على مفترق طرق بقدر ما يقف أمام حقيقة واضحة تقول إن البقاء في الحياة السياسية لا يتحقق من خلال ملء المقاعد بالأسماء الجديدة غير المتجانسة في مرجعياتها المعرفية؛ بل بالحفاظ على المعنى السياسي لهوية الحزب ولونه السياسي، وحين يضيع المعنى، يصبح كل فوز انتخابي شكلياً، وتغدو كل بهرجة إعلامية تزيف الواقع إعلانا مؤجلا عن خسارات وشيكة.

ليست المسألة في تبدّل الوجوه بحد ذاته؛ فالتغيير سمة سياسية طبيعية. لكن الخطر يكمن حين يتحول التغيير إلى انقلاب على المبادئ، وحين يصبح ما يسمى بالعهد الجديد استبدالاً للهوية لا تطويراً لها.

الأحزاب لا تموت بقرارات قضائية ولا بحلّ قانوني فقط، بل تموت حين تفقد ملامحها، وحين تعجز قواعدها عن التعرف على صورتها في المرآة.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/07 الساعة 14:00