الزيود يكتب: حكاية 'الروفر' مع الأردنيين

محمد عبدالكريم الزيود
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 18:44
لمحتُ سيارة " الروفر" وأنا جالس عصر اليوم في بدايات ربيع "جبل القرين" الذي يطلّ على قرية "المسرة" وما بعدها "العالوك" وكل قرى جرش الغربية التي تنتشر على سفوح الجبال حتى تغيب في الأفق البعيد ، وقد اكتساها اللون الأخضر ، مبشّرا بموسم ربيع خير بدأت تهلّ أوائله.

المهم كانت الروفر "مكشوفة "، وكانت تسّمى في الجيش : مسلّحة ، حيث يكشف الشادر الذي يغطي صندوقها ، ويوضع فيه رشاش خلفه جندي نشمي.

ربما هناك حكاية للأردنيين مع " الروفر" ، وإسمها الحقيقي " اللاند روفر" التي صنعتّها شركة روفر Rover الإنجليزية، لكن الأردنيين بلهجتهم خففوا الإسم كثيرا حتى حرف الفاء قالوه بسلاسة وليس كما يلفظه الإنجليز مشددا .. وهنا كان السبق للجيش البريطاني فمنذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي أدخلوا هذه السيارة وزودوا بها الكتائب والسرايا للجيش العربي ، وكانت سمة مميزة للقادة والضباط ترتفع عليها هوائيات الأجهزة اللاسلكية التي تشير لرفعة رتبة من يركبها ، وظلّت في الخدمة العسكرية وشاركت في كل حروب جيشنا حتى خرجت من الخدمة مع بدايات الألفية الجديدة ، وفيها قوة وبأس شديدين ، تجوب الصحاري والتلال والجبال دونما تشكي ، حتى أنها تعدلت من العمل على وقود البنزين إلى الديزل للتوفير في الإستهلاك.

لم يتبق حاليا من سيارات " الروفر" العاملة في الجيش العربي سوى سيارات "الموكب الأحمر" في كتيبة الحرس الملكي الخاص ، والذي لم يكن الموكب في بدايات تأسيسه منتصف الستينيات للمراسم الملكية فقط ، وإنما لحماية الراحل الملك الحسين في تحركاته ، وكان والدي - أطال الله عمره- أحد أفراده ، وعمل هذا الموكب على حماية الحسين في حوادث خطيرة وفي مفاصل حساسة من تاريخ بلدنا ، أهمها محاولات إغتيال الحسين في صويلح وعين غزال في أحداث الأمن الداخلي عام ١٩٧٠.

الروفر أيضا كانت من أوائل السيارات التي اقتناها الأردنيون ، والتي تتلائم مع تضاريس القرى الأردنية وربما تشبه أخلاق أهل البلاد، وكذلك تناسب طبيعة الطرق التي كانت في البدايات ترابية وصخرية، وربما أبناء قبيلة بني حسن من أوائل من ركبوها وجعلوها واسطة للنقل العام ، وبالقرب من سينما زهران نهاية شارع الحمرا وسوقها ، كان موقف " الروفرات" معروفا ، يركبها العائدين من الزرقاء المدينة نحو القرى الغربية ، وظلت عاملة حتى ظهرت باصات النقل العام ودخلت القرى، وهناك من يركب في الصندوق ، وهناك من يركب على مقدمة السبارة " البوز" ، وبعضهم من يركب " التندة" فوق غرفة السائق.

الملاحظ أن سيارة "الروفر" دخلت الوجدان الأردني من خلال الأغنية الشعبية ، والتي رددوها الرجال والنساء في أعراسهم وفي مواسم الحصاد وغيره، وربما التفسير أن البدوي والفلاح يتفاخرون بالخيل والفروسية والفرسان، وربما كانت سيارة الروفر وريثة للفرس والحصان ، لذا سمعنا أغاني مثل :" طلّت الروفر طلّت .. عليها ال ٥٠٠ " ( المقصود رشاش ٥٠٠) وهي أهزوجة عسكرية تمدح السيارة وراكبها الذي يقف شامخا خلف الرشاش ، كما في الأعراس ، كما قلنا بعضهم يركب على المقدمة فغنّوا : " على بوز الروفر يا هويدلاك .. على بوز الروفر يا هويدلي .." وكلمة البوز تعني الفم وكذلك تعني فوهة المدفع ، كما غنّى العسكر : " سيارة الجيش بواقة ( يقصد الروفر).. بأرض الخلا بنشرت بيّا " .

قصة " الروفر" مع الأردنيين قصة تلخص تاريخا من بلانا، وتتحدث عن تاريخ الرجال وبطولاتهم والذين واجهوا الصعوبات وبنوا وطنا كبيرا ، كان أهم ما بنوا فيه هو الإنسان.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 18:44