مساعدة يكتب: حجرٌ في المستنقعِ الراكد

جهاد مساعدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 16:56
الأخلاق هنا لا تُكسَر؛ هي تُخدَّر. تُحقَن بجرعاتٍ صغيرة من المصلحة، حتى تنام ولا تصرخ حين تبدأ المؤامرة.

المستنقع ليس في الخطأ الواضح، بل في النوايا التي تمشي على رؤوس أصابعها وتلبس قناع الفضيلة؛ في الوجوه التي تبتسم لك نهارًا، وتقيس طول ظلك ليلًا لتعرف من أين تُسقِطك.

المؤامرة لا تبدأ بسكين، بل تبدأ بنصيحة: "خفّف حدّتك". ثم تتطوّر إلى همس: "فلان خطر".

ثم تنضج في جلسةٍ مغلقة يُناقَش فيها فكرك، لا لتحسينه، بل لإلغائه.

أصحاب الفكر لا يُحارَبون لأنهم مخطئون، بل لأنهم يُربكون المستنقع. والناجح يُستهدَف لأنه دليلٌ حيّ على فشل غيره. النجاح هنا فضيحة أخلاقية، والفكرة الحرّة سوء سلوك.

رميتُ حجرًا اسمه: إنجاز. فارتفعت دوائر حقدٍ سريعة. قالوا: محظوظ. مدعوم. مبالغ فيه. لم يناقشوا ما فعل، بل ناقشوا لماذا فعل قبلهم.

في هذا المستنقع تُدار الأخلاق بحذر، وتُراقَب الأفكار أكثر من الأفعال. الرديء آمن لأنه متوقَّع، أمّا الجيد فمريب لأنه يفضح القاع.

المؤامرات لا تُكتَب؛ هي تُرتَّب. لا تُعلَن، بل تُسرَّب. تتغذّى على الصمت، وتكبر كلما قال الشرفاء: "لا شأن لي".

رميتُ حجرًا آخر اسمه: موقف. فقالوا لي: احذر، أنت تفتح على نفسك أبوابًا. قلتُ: الأبواب المغلقة هي التي تُنتج المؤامرات، أمّا الوضوح فتُربِكها.

أنا لا أطالب بمدينةٍ فاضلة، ولا بأخلاقٍ ملائكية. أطالب فقط بحدٍّ أدنى من الشرف: أن نختلف دون أن نتآمر، أن ننافس دون أن نغتال، وأن نعترف بالناجح دون أن نخطّط لسقوطه.

الحجر الذي أرميه ليس اتهامًا؛ بل إنذار. فالمستنقع الذي يتآمر على الفكر سيغرق يومًا بلا فكر، وبلا نجاح، وبلا أخلاق تُذكَر.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 16:56