ونحن نواريه التراب.. أحلاماً سعيدة يا أخي!

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 11:12
عند ظهيرة الأربعاء الماضي عادت لي ضحكته ونحن نواريه التراب.. شعرت أنه يضحك تلك الضحكة الهادئة النابعة من القلب.
قبل ثلاثة عشر عاماً استضافني في شقته الواسعة ذات الغرف الكثيرة ويسكن معه فيها شاب يمني يمني هادئ جداً، واسع الثقافة ورفيع الخلق.

كانت الشقة غير بعيدة عن ناطحات السحاب في شيكاغو التي عاش فيها نصف عمره، أي أكثر من ربع قرن بقليل، والأربعاء وارينا جثمانه النقي في جوف واد غير ذي زرع في الكرك. أراد أن يظل فيها للأبد. في مسقط قلبه الذي أحب فيه رفيقة دربه.

في أواخر صيف العام الماضي كان قد سرى المرض الخبيث في جسده الضامر. بات لا مفر من مواجهة الحقيقة القاسية. جزم الأطباء أنه سيموت قبل حلول الربيع؛ فقرر العودة كي يكون آخر ما يغمض عينيه عليه صورة رفيقة دربه وأسرته وشقيقاته وأشقائه ومحبيه.

حين زرته في المستشفى تحدثنا بنظرات أبلغ من الكلام وانسكبت دمعتي في قلبي كبيرة وجرحت مرارتها حلقي.

هل هذا الرجل المنهك الشاحب اللون الغائر العينين المستلقي بانتظار الموت ضاحكا هو ذاته الفتى أنيق الطلة والروح والحضور!

هل هو إبراهيم الداود الذي عرفته وأحبه منذ كنا أطفالا، ولم يعد ابن عمي وحسب، بل، أيضاً شقيق زوجتي وخال أولادي.

عرفته عمراً طويلاً لا يكبرني فيه بأكثر من أربع سنوات؛ نقياً وواعياً وذكياً وساخراً ولاذع النكتة ولماح الفكرة، ولا يتورع - ولو من باب الدعابة - عن شتم أي اسم يرد في مجرى الحديث!



عرفته أكثر حين كنت في الولايات المتحدة؛ فاتصل في اليوم التالي لوصولي ولاية نيو مكسيكو. كان الفرح الشديد بادياً في صوته لأني في امريكا وبالقرب منه، رغم أن المسافة بيننا ثلاث ساعات بالطائرة. تواصلت دعوته الكريمة الأخوية لاستضافتي عبر مكالمات طويلة لا تخلو من شتائمه على مفارقات الحياة فكانت دموعي فيها تسيل من شدة الضحك!

سافرت إلى شيكاغو في منتصف شهر 12 كانون الأول/ديسمبر من العام 2012 وكان إبراهيم الداود في استقبالي في مطار (ميد وي) بفرح ولهفة أخ مشتاق؛ فآخر مرة التقينا فيها قبل ذاك المساء كانت في عمان قبل خمسة عشر عاما!

مساء تلك الليلة تفجرت ينابيع الضحك حتى غادرت شيكاغو وولاية إلينوي بعد ثلاثة أشهر إلى ولاية واشنطن الوادعة الخضراء الجميلة التي عشت فيها أجمل شهور حياتي.

عند بوابة المغادرين لم يستطع الضحك ولا السخرية من شيء ولا شتم شيء رغم محاولاتي.

عرفتك يا صديقي في تلك الشهور على أجمل ما يتمنى المرء الرجل أن يكون من الطيبة والسخاء وأناقة الحضور. ما تزال أحاديثنا ومشاويرنا وسهراتنا تلك حاضرة في بالي. ما تزال ضحكتك الحلوة في بالي، وستظل حكاياتك الغريبة (وأسرارك) تضحكني!

ونحن نواري جثمانك التراب وصلت إلى مسامعي شتائمك كلها التي لا تأتي دون ضحكتك الساخرة.

كنت تقول لي في نهاية سهراتنا في شيكاغو:

Happy dreams bro!

وأنا أيضاً أقول للنائم الجميل : أحلاما سعيدة يا أخي.

وداعاً أبا قصي. سأشتاق لك كثيرا؛ فأنت الحبيب ابن الحبيب. نم قرير القلب والعين.

كنت أكثر من صديق

أقرب من ابن عمٍ بكثير!

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/06 الساعة 11:12