وزراء وقضايا تحت المجهر (2).. أيمن الصفدي وأبو غزالة في ميزان التقييم والنقد الناعم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 11:13
في الدول ذات الديمقراطيات الراسخة، يُنظر إلى الوزير بوصفه فاعلًا سياسيًا في المقام الأول؛ إذ تأتي الحكومات في الغالب من لونٍ سياسيٍّ واحد، وتعمل وفق برامج حزبية واضحة المعالم، بينما تتولى الإدارات التنفيذية تنفيذ التفاصيل الفنية. أمّا في دول العالم النامي، ومنها الأردن، التي ما تزال تخوض مسار بناء نموذجها الديمقراطي الأكثر اكتمالًا، فإن الصورة تختلف نسبيًا؛ إذ يُطالب الوزير بدورٍ مزدوج، سياسي وتنفيذي في آنٍ معًا، ضمن سياقٍ انتقاليٍّ مفهومٍ ومقبول.
وانطلاقًا من هذا الفهم، ومن باب التقييم الموضوعي لا الشخصي، تأتي هذه السلسلة من المقالات محاولةً لوضع أداء عددٍ من الوزراء في ميزان المتابعة والنقد المسؤول، إيمانًا بأن الكتابة ليست ترفًا فكريًا، بل ممارسة وطنية توازي في أهميتها القرار التنفيذي ذاته. وفي عمر حكومة دولة الدكتور جعفر حسّان، رئيس الوزراء الميداني المتابع والحريص على تنفيذ مضامين كتاب التكليف السامي، يمكن رصد تمايزٍ واضح في أداء بعض الوزراء، دون أن يُفهم ذلك انتقاصًا من جهود الآخرين.
في هذا المقال، أتناول حقيبتين تمسان صورة الأردن في الخارج، إحداهما اقتصادية والأخرى سياسية سيادية. وقد حاولت الكتابة عن وزارتي التخطيط ووزارة الدولة للشؤون القانونية، غير أن غياب الأثر العام الواضح حال دون ذلك، وربما لأن القائمين عليهما يفضّلون العمل بعيدًا عن الضوء. كما أجد، من باب الرأي، أن وجود وزير دولة للشؤون القانونية لم يعد ضرورة في ظل وجود قامات قانونية راسخة، كوزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات، ووزير العدل بسام التلهوني، وهما من الكفاءات التي تغني عن تكرار الأدوار، وينسحب الأمر ذاته على وزارة شؤون رئاسة الوزراء.
أولًا: وزارة الاستثمار… الفرص والاختبار الصعب
طارق علي إبراهيم أبو غزالة، الذي عُيّن وزيرًا للاستثمار ضمن التعديل الوزاري، لا تربطني به أية معرفة شخصية، غير أن الشكوى المتكررة من المستثمرين، وغياب الاستثمار النوعي الحقيقي، يفرضان الحديث بصراحة. فالاستثمار في الأردن ما يزال يواجه تحديات هيكلية ومالية مزمنة، أبرزها ارتفاع تكاليف التشغيل، ولا سيما أسعار الطاقة والمشتقات النفطية، وارتفاع الضرائب، وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية، وتعدد المرجعيات الحكومية.
ولا تزال معوقات أساسية حاضرة دون حلول جذرية، من بينها صغر حجم السوق المحلي، وضعف القوة الشرائية، وصعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع كلف الائتمان، فضلًا عن تحديات تتصل بالبيئة التنظيمية وأمن الاستثمار، رغم صدور تشريعات حديثة تهدف إلى تشجيعه.
سمات وزير الاستثمار الناجح… وهل هي متحققة؟
يفترض بمن يتولى حقيبة الاستثمار في دولة مثل الأردن أن يتحلى بعدد من السمات الجوهرية، من أبرزها:
1. القدرة على تفكيك المعيقات الهيكلية لا الاكتفاء بإدارتها.
2. امتلاك خبرة اقتصادية تطبيقية وفهم عميق لمنطق السوق.
3. التواصل المباشر مع المستثمرين وبناء الثقة معهم.
4. القدرة على التنسيق العابر للوزارات باعتبار الاستثمار ملفًا تشاركيًا.
5. حضور عام مقنع يعيد الاعتبار لصورة البيئة الاستثمارية.
وبالعودة إلى أداء الوزير طارق أبو غزالة، يمكن القول إن هذه السمات لم تتجسد بعد بصورة ملموسة في الواقع الاستثماري؛ إذ لا تزال الشكاوى قائمة، والمعالجات جزئية، ما يجعل التقييم أقرب إلى التحفّظ منه إلى الإشادة، مع الإقرار بأن الفرصة لا تزال قائمة لتصويب المسار.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الأردن يمتلك مقومات استثمارية واعدة؛ من الاستقرار السياسي والأمني، إلى الموقع الاستراتيجي، والبنية التحتية، والكفاءات البشرية، والمناطق الحرة والتنموية، إضافة إلى منصة «استثمر في الأردن» ونظام «النافذة الواحدة». غير أن هذه المزايا تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى حلول عملية تمس جوهر التحديات.
ثانيًا: وزارة الخارجية… الدبلوماسية في زمن العواصف
في المقابل، تقدم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين نموذجًا مختلفًا في التقييم. فالوزير أيمن الصفدي يُعدّ من أبرز وجوه الدبلوماسية الأردنية في السنوات الأخيرة، وقد خضع لاختبار بالغ الصعوبة في ظل حرب الإبادة على غزة وما رافقها من تعقيدات سياسية وإنسانية. ومع ذلك، أثبت حضوره الفاعل في مختلف المحافل الدولية، ناقلًا موقف جلالة الملك عبد الله الثاني من القضية الفلسطينية والقضايا العالمية بوضوح وحزم واتزان.
سمات وزير الخارجية الناجح… الصفدي نموذجًا
يمكن رصد أبرز سمات وزير الخارجية الناجح في تجربة أيمن الصفدي، ومنها:
1. قدرة عالية على التواصل والإقناع، عززتها خلفيته الإعلامية الطويلة.
2. مرونة سياسية دون التفريط بالثوابت الوطنية.
3. حضور دولي فاعل في القضايا الكبرى، لا سيما القضية الفلسطينية.
4. إلمام شامل بالملفات السياسية والاقتصادية والإعلامية بوصفها أدوات دبلوماسية.
5. قدرة واضحة على إدارة الأزمات تحت الضغط.
ولا شك أن تجربة الصفدي الإعلامية السابقة أسهمت في صقل خطابه، ودقته في اختيار الرسائل، وفهمه العميق لتأثير الكلمة والصورة في العلاقات الدولية، ما جعله وجهًا حضاريًا يعكس صورة الأردن بثقة واقتدار.
خاتمة: التقييم مسؤولية لا خصومة
بين وزارتين تمسان صورة الأردن في الخارج، يتضح الفارق بين إدارة تُنتج الأثر، وأخرى ما زالت تبحث عنه.
إنّ هذه القراءة لا تُقدَّم بوصفها أحكامًا نهائية، ولا مجاملات مجانية، بل محاولة واعية لممارسة دور الكاتب في المتابعة والمساءلة والتقويم. فالنقد البنّاء ضرورة للإصلاح، والمساءلة شرط للتقدم، ولا نهضة بلا شجاعة.
وللحديث بقية…
فالتقييم سيبقى فعلًا مستمرًا ما دامت الدولة في طور البناء، وما دام الأمل قائمًا بأن تكون الكفاءة، لا المجاملة، هي الطريق إلى المستقبل.
والله من وراء القصد.
وانطلاقًا من هذا الفهم، ومن باب التقييم الموضوعي لا الشخصي، تأتي هذه السلسلة من المقالات محاولةً لوضع أداء عددٍ من الوزراء في ميزان المتابعة والنقد المسؤول، إيمانًا بأن الكتابة ليست ترفًا فكريًا، بل ممارسة وطنية توازي في أهميتها القرار التنفيذي ذاته. وفي عمر حكومة دولة الدكتور جعفر حسّان، رئيس الوزراء الميداني المتابع والحريص على تنفيذ مضامين كتاب التكليف السامي، يمكن رصد تمايزٍ واضح في أداء بعض الوزراء، دون أن يُفهم ذلك انتقاصًا من جهود الآخرين.
في هذا المقال، أتناول حقيبتين تمسان صورة الأردن في الخارج، إحداهما اقتصادية والأخرى سياسية سيادية. وقد حاولت الكتابة عن وزارتي التخطيط ووزارة الدولة للشؤون القانونية، غير أن غياب الأثر العام الواضح حال دون ذلك، وربما لأن القائمين عليهما يفضّلون العمل بعيدًا عن الضوء. كما أجد، من باب الرأي، أن وجود وزير دولة للشؤون القانونية لم يعد ضرورة في ظل وجود قامات قانونية راسخة، كوزير الشؤون السياسية والبرلمانية عبد المنعم العودات، ووزير العدل بسام التلهوني، وهما من الكفاءات التي تغني عن تكرار الأدوار، وينسحب الأمر ذاته على وزارة شؤون رئاسة الوزراء.
أولًا: وزارة الاستثمار… الفرص والاختبار الصعب
طارق علي إبراهيم أبو غزالة، الذي عُيّن وزيرًا للاستثمار ضمن التعديل الوزاري، لا تربطني به أية معرفة شخصية، غير أن الشكوى المتكررة من المستثمرين، وغياب الاستثمار النوعي الحقيقي، يفرضان الحديث بصراحة. فالاستثمار في الأردن ما يزال يواجه تحديات هيكلية ومالية مزمنة، أبرزها ارتفاع تكاليف التشغيل، ولا سيما أسعار الطاقة والمشتقات النفطية، وارتفاع الضرائب، وتعقيدات الإجراءات البيروقراطية، وتعدد المرجعيات الحكومية.
ولا تزال معوقات أساسية حاضرة دون حلول جذرية، من بينها صغر حجم السوق المحلي، وضعف القوة الشرائية، وصعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع كلف الائتمان، فضلًا عن تحديات تتصل بالبيئة التنظيمية وأمن الاستثمار، رغم صدور تشريعات حديثة تهدف إلى تشجيعه.
سمات وزير الاستثمار الناجح… وهل هي متحققة؟
يفترض بمن يتولى حقيبة الاستثمار في دولة مثل الأردن أن يتحلى بعدد من السمات الجوهرية، من أبرزها:
1. القدرة على تفكيك المعيقات الهيكلية لا الاكتفاء بإدارتها.
2. امتلاك خبرة اقتصادية تطبيقية وفهم عميق لمنطق السوق.
3. التواصل المباشر مع المستثمرين وبناء الثقة معهم.
4. القدرة على التنسيق العابر للوزارات باعتبار الاستثمار ملفًا تشاركيًا.
5. حضور عام مقنع يعيد الاعتبار لصورة البيئة الاستثمارية.
وبالعودة إلى أداء الوزير طارق أبو غزالة، يمكن القول إن هذه السمات لم تتجسد بعد بصورة ملموسة في الواقع الاستثماري؛ إذ لا تزال الشكاوى قائمة، والمعالجات جزئية، ما يجعل التقييم أقرب إلى التحفّظ منه إلى الإشادة، مع الإقرار بأن الفرصة لا تزال قائمة لتصويب المسار.
ورغم ذلك، لا يمكن إنكار أن الأردن يمتلك مقومات استثمارية واعدة؛ من الاستقرار السياسي والأمني، إلى الموقع الاستراتيجي، والبنية التحتية، والكفاءات البشرية، والمناطق الحرة والتنموية، إضافة إلى منصة «استثمر في الأردن» ونظام «النافذة الواحدة». غير أن هذه المزايا تبقى محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى حلول عملية تمس جوهر التحديات.
ثانيًا: وزارة الخارجية… الدبلوماسية في زمن العواصف
في المقابل، تقدم وزارة الخارجية وشؤون المغتربين نموذجًا مختلفًا في التقييم. فالوزير أيمن الصفدي يُعدّ من أبرز وجوه الدبلوماسية الأردنية في السنوات الأخيرة، وقد خضع لاختبار بالغ الصعوبة في ظل حرب الإبادة على غزة وما رافقها من تعقيدات سياسية وإنسانية. ومع ذلك، أثبت حضوره الفاعل في مختلف المحافل الدولية، ناقلًا موقف جلالة الملك عبد الله الثاني من القضية الفلسطينية والقضايا العالمية بوضوح وحزم واتزان.
سمات وزير الخارجية الناجح… الصفدي نموذجًا
يمكن رصد أبرز سمات وزير الخارجية الناجح في تجربة أيمن الصفدي، ومنها:
1. قدرة عالية على التواصل والإقناع، عززتها خلفيته الإعلامية الطويلة.
2. مرونة سياسية دون التفريط بالثوابت الوطنية.
3. حضور دولي فاعل في القضايا الكبرى، لا سيما القضية الفلسطينية.
4. إلمام شامل بالملفات السياسية والاقتصادية والإعلامية بوصفها أدوات دبلوماسية.
5. قدرة واضحة على إدارة الأزمات تحت الضغط.
ولا شك أن تجربة الصفدي الإعلامية السابقة أسهمت في صقل خطابه، ودقته في اختيار الرسائل، وفهمه العميق لتأثير الكلمة والصورة في العلاقات الدولية، ما جعله وجهًا حضاريًا يعكس صورة الأردن بثقة واقتدار.
خاتمة: التقييم مسؤولية لا خصومة
بين وزارتين تمسان صورة الأردن في الخارج، يتضح الفارق بين إدارة تُنتج الأثر، وأخرى ما زالت تبحث عنه.
إنّ هذه القراءة لا تُقدَّم بوصفها أحكامًا نهائية، ولا مجاملات مجانية، بل محاولة واعية لممارسة دور الكاتب في المتابعة والمساءلة والتقويم. فالنقد البنّاء ضرورة للإصلاح، والمساءلة شرط للتقدم، ولا نهضة بلا شجاعة.
وللحديث بقية…
فالتقييم سيبقى فعلًا مستمرًا ما دامت الدولة في طور البناء، وما دام الأمل قائمًا بأن تكون الكفاءة، لا المجاملة، هي الطريق إلى المستقبل.
والله من وراء القصد.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 11:13