الشديفات يكتب: حماية الأرواح قبل الخرائط.. مجاري الأودية تختبر جاهزية الدولة

المهندس مؤيد الرشود الشديفات
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 10:30
-----------------

الطَّبيعةُ تَتقدّم ، و القوانينُ تَتأخّر

!

-----------------

لم تَعُدِ الفيضانات في الأردن مجرد حوادثٍ موسميةٍ تمر و تُنسى .

ما نشهدهُ اليوم من ( تَغَيُّراتٍ مُناخيّةٍ مُتسارعة) ، و زيادة حِدةِ الهطولات المطرية ، يُحوّلُ كُلَّ وَادٍ وكُلَّ مَجرى مائي إلى اختبارٍ حقيقي لقدرة الدولة على حماية مواطنيها ، و ضمان استدامة العمران ، و تحقيق التخطيط الاستراتيجي .

ما حدث في سيول محافظة الكرك

، على الرغم من كونه مثالًا واحدًا ، يُمثّل ( إنذارًا وطنيًا صارخًا ) .

المجاري التي كانت تُعتَبَرُ آمنةً لم تعد كذلك ، و الأودية التي اجتاحتْها ( السيول الجارفة ) كشفت نقاط ضعف حقيقية في التشريع و التنظيم الحضري ، و غياب ضوابط واضحة تحمي البلديات و تضمن حقوق المواطنين ، و تُبرز الحاجة الملحّة لإعادة النظر في ( القوانين التنظيمية و التخطيطية ) بما يواكب الواقع الجديد .

الدرس الاستراتيجي :

الفيضانات لم تعد مجرد كارثة طبيعية ، بل

( اختبار لقدرة الدولة على الجمع بين القانون و التخطيط و الجاهزية التنفيذية )

لضمان استدامة المجتمع و حماية الأرواح .

-----------------

البلديات

خَطّ الدفاعِ الأول الذي يحتاج الحِماية

-----------------

البلديات اليوم تواجه معادلة صعبة :

( واجب حماية المواطنين مقابل خوف مشروع من المحاسبة على تراخيص صدرت في الماضي ) .

القاعدة القانونيّة :

قانون الإدارة المحلية رقم (22) لسنة 2021 يُلزم البلديات بمسؤولية واضحة في :

- حِماية الأرواح والممتلكات ضمن حدودها الإدارية

- تنظيم الأراضي و المباني بما يضمن النظام العام

- منع استخدام الأراضي في مواقع خطرة مثل مجاري الأودية

لكن الواقع العملي يكشف أن ( الترخيص الإداري لا يحصّن البلديات ) من اتخاذ إجراءات وقائية لاحقة إذا ظهر أن الترخيص يُشكّل خطرًا على السلامة العامة .

القواعد الفقهية العامة في القانون الإداري :

1. البلديات ليست مسؤولة عن الأخطار الطبيعية المتغيرة بفعل المناخ ، إذ إن ( الطوارئ المناخية خارجة عن إرادة الإنسان ) ، و يطبق ( مبدأ القوة القاهرة ) في الفقه الإداري ، ما يعفي الإدارة المحلية من مسؤولية التسبب في الكارثة الطبيعية .

2. لا يمكن تحميل البلديات تعويضات عن حماية المواطنين ، فـ ( المصلحة العامة أعلى مرتبة من الحقوق الخاصة ) ، وفق قاعدة فقهية راسخة :

[ المصلحة العامة تقدَّم على المصلحة الخاصة ]

3. أي تأخير في التدخل الوقائي يعرض الأرواح للخطر ، و يضع البلدية في موقف ( إداري صعب و معقّد ) ، و يخلق تهديدًا سياسيًا وطنيًا إذا تحول إلى أزمة عامة .

هذه الحقائق القانونية ليست مجرد نصوص جامدة ، بل

( ضرورة استراتيجية تحمي الدولة من الفشل المستقبلي و تدعم الاستقرار الوطني ) .

-----------------

التغير المناخي

مَعطى سياسي و استراتيجي

-----------------

التغير المناخي لم يعد مجرد قضية بيئية

بل أصبح

( عاملًا حاكمًا في كل قرار تنظيمي و استراتيجي ) .

الأودية التي كانت آمنة منذ عقود لم تعد كذلك ، و أصبح حجم الجريان و سرعة السيول لا يمكن قياسهما وفق الخرائط القديمة .

فعواقب تجاهل هذا الواقع يعني :

1) استمرار البناء في مناطق عالية الخطورة

2) تحميل الإدارة المحلية مسؤولية الكوارث الطبيعية

3) إضعاف الثقة في الدولة و خلق أزمات سياسية و اجتماعية مستقبلية

فالرسالة واضحة :

هذا ليس خيارًا إداريًا

بل

( مسألة سيادية و استراتيجية )

يجب أن تتصدر أولويات وزارة الإدارة المحلية

لأنها مسؤولة مباشرة عن :

حماية الأمن الوطني و حياة المواطنين و تحويل البلديات إلى أدوات حماية فعّالة بدل أن تصبح عرضة للمساءلة القانونية عن أي تقصير .

-----------------

حرم الأودية

تَنظيم وقائي لا استملاك

-----------------

من أخطر الإشكاليات الحالية ( الخلط بين الاستملاك و التنظيم الوقائي للملكية ) ، و هو ما يخلق جدلًا قانونيًا يعطل التنفيذ و يعرض الأرواح للخطر .

الواقع القانوني وفق قانون الملكية العقارية الأردني رقم (12) لسنة 1987 :

* الملكية الخاصة ليست مطلق ، و يمكن تقييدها بما يحقق النظام العام و حماية الأرواح و الممتلكات

* أي تنظيم للأراضي لأغراض السلامة العامة أو المرافق العامة لا يُعدّ مصادرة ، وفق قاعدة الفقه الإداري :

[ الاقتطاع التنظيمي لا يُعدّ مصادرة ، طالما بقي الحق الأساسي في الملكية محفوظًا ]

و التطبيق العملي سيكون :

* بتحديد حرم الأودية

* و منع البناء ضمنه

* وضع يد جزئي عليه بنسبة قانونية معقولة

هذا

( حق الدولة و واجبها القانوني )

و ليس منّة أو استملاكًا ، و لا يستوجب دفع أي تعويض .

اتخاذ هذا القرار بشكل حاسم

يضع الإدارة المحلية في

( موقع قوة و حماية )

و يُنهي جدلًا قانونيًا قد يعرقل التنفيذ و يعرّض الأرواح للخطر .

-----------------

الرسالة الموجهة لصانع القرار

-----------------

الواقع لا يحتمل ( التردد أو الانتظار ) , فالمطلوب اليوم :

* منح البلديات مظلة قانونية واضحة تحميها عند حماية المواطنين

* إعلان حرم الأودية مناطق سلامة عامة يمنع البناء فيها تنظيمياً دون تعويض

* إدماج التغير المناخي رسميًا في سياسات التخطيط و التنظيم العمراني

هذا التوجه ليس مجرد ( تخطيط عمراني ) ، بل ( إجراء استراتيجي وطني يحفظ الأرواح و يُحمي المال العام و يضمن الثقة الوطنية ) .

فكل تأخير في اتخاذ القرارات الحاسمة يضاعف المخاطر ، و يجعل الدولة في موقف رد الفعل بدل الوقاية .

-----------------

تحصين البلديات

ضرورة وطنية عاجلة

-----------------

ترك البلديات مكشوفة أمام ( دعاوى قضائية ) بسبب تراخيص تاريخية هو قرار سيادي خاطئ ) .

الحل المطلوب :

* إصدار نص تشريعي واضح يحصّن البلديات من أي مسؤولية عن تراخيص سابقة داخل مجاري الأودية

* إعلان حرم الأودية مناطق سلامة عامة يُحظر البناء فيها تنظيمياً دون تعويض

* إدماج التغير المناخي في السياسات التخطيطية و التنظيمية على مستوى المملكة

أي تأخير أو تردد في اتخاذ هذه الإجراءات سيكلف الدولة

( الأرواح والمال العام والثقة الوطنية )

و لن يكون هناك من يبرر الفشل بعد وقوع الكارثة القادمة ، لا سمح الله ..!

-----------------

حماية الأرواح ليست قرارًا إداريًا

بل موقف دولة

-----------------

السيول لا تنتظر ، و الخطر الطبيعي لا يعترف بالتراخيص القديمة .

حماية الأرواح ليست رفاهًا قانونيًا ، و ليست مجرد قرار بلدية ، بل موقف دولة صريح .

إذا أردنا أن تكون إدارتنا المحلية قوية و فعّالة ، يجب منحها أدوات قانونية واضحة ، حماية تشريعي ، و قرارات سيادية حاسمة قبل أن تُفرض علينا الكوارث بوقائع مأساوية لا يمكن تبريرها .

فالدولةُ

التي تؤجِّلُ القرارَ بحجّةِ الخَرائط

[ تُغامرُ بالأرواح ]

أمّا الدَّولةُ

[ التي تُقدِّمُ الأرواحَ على الخَرائط ]



فهي وحدها التي تستحقُّ ثقةَ مواطنيها ، و تملكُ شرعيّةَ المستقبل .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 10:30