قراءة في تعديلات قانون الكاتب العدل

أ. د. ليث كمال نصراوين
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 01:40
أقرّ مجلس النواب قبل أيام مشروع القانون المعدل لقانون "الكاتب العدل" لسنة 2025، الذي تضمن مجموعة من التعديلات الأوسع نطاقا التي طالت هذا القانون منذ صدوره عام 1952، والتي هدفت إلى تحديث النصوص القانونية الناظمة لعمل الكاتب العدل وتطوير آليات تقديم خدماته العدلية، ولا سيما من خلال التوسع في استخدام الوسائل الإلكترونية، بما ينسجم مع متطلبات العصر والتحول الرقمي الذي تشهده مؤسسات الدولة.

ويجب عدم النظر إلى هذه التعديلات باعتبارها مجرد إدخال أدوات تقنية جديدة، إذ إنها تمس جوهر وظيفة الكاتب العدل وحدود صلاحياته والضمانات القانونية ذات الصلة بتوثيق العقود ومعاملات الأفراد. فالقانون المُعدل لم يكتف بتنظيم وسائل العمل وإدخال العنصر التقني فيها، بل قام بتحديث آلية عمل المرفق ذاته، من حيث الاختصاص، وأسلوب إنجاز المعاملة، وشكل الوثيقة القانونية وحجيتها، وطريقة حفظها وتداولها.

فمن أبرز ما تضمنته هذه التعديلات إلغاء الاختصاص المكاني للكاتب العدل، بحيث لم يعد المواطن مقيدا بدائرة المحكمة التي يتبع لها مكان إقامته لغايات الاستفادة من الخدمات التي يقدمها هذا المرفق حيث يعد هذا التوجه تحولا جذريا في التنظيم القانوني للخدمات العدلية، من شأنه التسهيل على الأفراد وتمكينهم من إنجاز معاملاتهم لدى أي دائرة كاتب عدل في مكان تواجدهم، وهو ما يخفف من الأعباء المترتبة على التنقل.

غير أن نجاح هذا التحول في إلغاء القيد المكاني يبقى مرتبطا بقدرة وزارة العدل على ضمان توحيد الإجراءات والمعايير المهنية بين مختلف دوائر كتاب العدل، وتزويدها بالوسائل الفنية والعناصر البشرية المؤهلة التي تمكّنها من تقديم الخدمات المطلوبة بالمستوى الاحترافي ذاته في جميع محافظات المملكة.

كما وسعت التعديلات الأخيرة من صلاحيات الكاتب العدل، فأجازت له التصديق على صحة توقيع أحد المتعاقدين حتى في حال عدم اجتماعهم في مجلس تعاقدي واحد، مع إمكانية قيام الكاتب العدل بالتصديق على الإفادات الخطية المشفوعة بالقسم القانوني، وهي مستندات مكتوبة يقر فيها الشخص بصحة ما ورد فيها من وقائع أو أقوال، ويؤكد ذلك بأداء اليمين القانونية أمام جهة مخولة، بما يرتب عليه مسؤولية قانونية مباشرة في حال ثبوت عدم صحة تلك الوقائع.

ويعكس هذا التوسع في الصلاحيات توجها محمودا نحو التيسير على الأفراد في إنجاز معاملاتهم، إلا أنه في المقابل ينطوي على تغيير جوهري في وظيفة الكاتب العدل، من نموذج تقليدي قائم على الحضور الوجاهي أمامه والتحقق المباشر من شخوص المتعاملين وإرادتهم، إلى أسلوب يعتمد بدرجة أكبر على وسائل التحقق غير المباشر، سواء من خلال الوسائل الإلكترونية أو المستندات الرقمية. وهو ما يستدعي إيلاء عناية خاصة بتأهيل العاملين في هذا المرفق، ووضع قواعد قانونية واضحة في شكل أنظمة وتعليمات تضمن تحقيق التوازن بين التسهيل على أطراف المعاملة وحماية الموظفين والمتعاملين على حد سواء.

وفي هذا السياق، أجازت التعديلات التشريعية حضور ذوي العلاقة أو وكلائهم أمام الكاتب العدل عن بُعد باستخدام الوسائل الإلكترونية المعتمدة، وفق إجراءات محددة تضمن التحقق من الهوية وصحة الإرادة، وأعطت الوثائق التي يجري تنظيمها أو تصديقها إلكترونيا الحجية القانونية ذاتها المقررة للوثائق الورقية.

وإلى جانب ذلك، منحت التعديلات الأخيرة ذوي العلاقة الحق في طلب إصدار صور مطابقة للأصل عن الوثائق المحفوظة لدى الكاتب العدل، سواء كانت ورقية أو إلكترونية، حيث جرى تعريف ذوي العلاقة بأنهم أصحاب التوقيع أو المتعاقدون أو من قاموا مقامهم بحكم القانون، في خطوة تهدف إلى حماية خصوصية المعاملات وضمان عدم إساءة استعمال الوثائق الرسمية.

كما أعاد القانون المعدل تنظيم آلية حفظ السجلات والمعاملات، فأجاز حفظها في سجلات ورقية أو عبر وسائل إلكترونية معتمدة، مع التأكيد على بقاء أصل المعاملة لدى الكاتب العدل، واحتفاظ وزارة العدل بنسخ مصدقة وفقا لضوابط محددة إلى حين وصول الأصل، بما يعزز الرقابة المؤسسية دون المساس باستقلالية هذا المرفق أو بوظائفه الأساسية.

وامتدت التعديلات أيضا إلى تنظيم إجراءات التبليغ، حيث أجاز القانون المعدل للكاتب العدل تصديق الإخطارات الموقعة إلكترونيا من طالب التصديق دون اشتراط حضوره الشخصي، وربط تبليغ هذه المستندات بأحكام قانون أصول المحاكمات المدنية. ويشكل هذا التعديل نقلة نوعية في دمج أعمال الكاتب العدل ضمن المنظومة الإجرائية الرقمية للقضاء، ويعزز من سرعة وفعالية الإجراءات القانونية المرتبطة بالتقاضي.

وفي إطار التحول الرقمي الشامل، تضمنت التعديلات أحكاما مستحدثة تتعلق بأرشفة الوثائق والمعاملات بطريقة إلكترونية، ومنحها الحجية القانونية الكاملة، مع السماح بإتلاف مرفقات المعاملات بعد أرشفتها إلكترونيا ومضي خمس عشرة سنة على إنجازها. ويعكس هذا التوجه ثقة متزايدة بالأنظمة الرقمية وقدرتها على حفظ الوثائق التي تمس حقوق الأفراد واسترجاعها عند الحاجة، شريطة أن تكون هذه الأنظمة قادرة على ضمان سلامة البيانات واستمرارية الوصول إليها.

خلاصة القول، فإن هذه التعديلات تعكس توجها تشريعيا نحو تحديث عمل الكاتب العدل ومواكبته للتحول الرقمي، على أن يظل نجاحها مرهونا بحسن التطبيق العملي وضمان التوازن بين التيسير على المتعاملين وحماية الثقة بالمحررات الموثقة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/05 الساعة 01:40