الإدمان الرقمي عند الأطفال.. عندما يصبح الهاتف شريكاً نفسياً ومصدراً وحيداً للدوبامين

مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 15:27
مدار الساعة-لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرّد وسيلة ترفيهية للأطفال، بل تحوّلت عند كثيرين إلى ما يشبه الإدمان اليومي، وباتت أعراض هذا الإدمان تقلق الأهالي وتربك الحياة الأسرية، إذ يقضي الأطفال ساعات طويلة أمام الشاشات مما يؤدي إلى انفصال تدريجي عن الواقع، حتى أصبح سحب الهاتف من الطفل أزمة بحد ذاتها.

أم عمر، وهي أم لطفلين تبلغ من العمر 34 عاماً تروي تجربتها قائلة إن الأمر لم يعد طبيعياً كما كانت تظن في البداية، وتشرح :"أولادي إذا سحبت منهم التلفون أراهم بحالة هستيرية، ولا يتوقفوا عن البكاء، وكأنهم فاقدين لشي أساسي بحياتهم".

وتضيف أن ردود الفعل لا تتوقف عند الغضب، بل تمتد إلى عصبية شديدة، رفض للأكل، وتوتر واضح يستمر لساعات، وهو ما جعلها تشعر بأن ما يمرون به يشبه أعراض انسحابية من الإدمان على الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي.

لم تكن قصة أم عمر مجرد صرخة فردية، بل هي مرآة تعكس واقعاً مريراً يغزو آلاف الأسر العربية. لقد تجاوزنا مرحلة التحذير من احتمالية الإدمان لنصطدم بحقيقة واقعية: الهاتف لم يعد مجرد جهاز في يد الطفل، بل أصبح شريكاً نفسياً احتل فراغاً عاطفياً وذهنياً خطيراً، مما يضع الأهل أمام اختبار حقيقي لفرض حدود ذكية تعيد بناء ما أفسدته الشاشات.

يصف الخبير النفسي والتقني زيد ربابعة حالة الارتباط المرضي بالشاشات بأنها "تسلل ناعم"، ويقول في تصريح خاص لـ 24: "الإدمان الرقمي لا يطرق الباب فجأة، بل يستوطن حياة الطفل خطوة بخطوة، حتى يزيح الواقع جانباً ويصبح الهاتف هو المركز الذي يدور حوله عالمه النفسي بالكامل".

ويقول إن أبرز العلامات التي تظهر داخل الأسرة تتمثل في ضعف التفاعل العائلي، العصبية عند المقاطعة، فقدان الاهتمام بالنشاطات الطبيعية، وتراجع الالتزام بالمسؤوليات اليومية، أما داخل المدرسة، فيظهر الأثر على شكل شرود ذهني، ضعف تحصيل، قلة صبر، وأحياناً ميل إلى سلوك عدواني أو انسحابي، ويضيف أن جوهر المشكلة ليس في الجهاز نفسه، بل في تحوله إلى مصدر الإثارة الوحيد في يومهم.

مملكة "مولت بوك".. الذكاء الاصطناعي يؤسس لغته السرية وديانته الخاصة فهل انتهت سيادة البشر؟ - موقع 24

دخل العالم الرقمي مرحلة لم يشهدها من قبل حين أطلق الباحث الأمريكي مات شلايخت منصة تُعدّ الأولى من نوعها في تاريخ الإنترنت، وهي شبكة اجتماعية حصرية للذكاء الاصطناعي باسم "مولت بوك"، وهي منصة لا يدخل فيها البشر كأفراد فاعلين، بل يجلسون خارج السياجات الرقمية كمراقبين فحسب.

وفي تشخيصه لخطورة المنحدر الذي يبدأ بالاستخدام المفرط وينتهي بالأفكار الانتحارية، يوضح ربابعة أن المنصات الرقمية مصممة وفق آلية دائرة المكافأة السريعة، حيث تمنح الدماغ جرعات فورية من الدوبامين مع كل إشعار أو تفاعل.

حلقة الدوبامين.. لماذا يشبه الأمر الإدمان؟

ومع الوقت، يتشكل اعتماد نفسي يُشبه الإدمان السلوكي، فإذا حُرم الطفل من هذا التحفيز المستمر شعر بالفراغ والملل والقلق، وقد يصل إلى حزن عميق.

والأخطر بحسب ربابعة عندما يبدأ الطفل بربط قيمته الذاتية بعدد الإعجابات أو القبول الرقمي، ما يجعل الإحباط أسرع وأقسى، خاصة لدى الأطفال الأكثر حساسية، وقد تتطور لديهم أفكار سوداوية أو ميول لإيذاء الذات في بعض الحالات.

وفيما يتعلق بآلية العلاج، يشدد ربابعة على ضرورة التعامل مع الشاشات كإدمان فعلي يتطلب بروتوكولاً خاصاً، حيث يقول: 'الاستجابة الصحيحة لا تكون بالقطع المفاجئ أو اللجوء للعقاب، بل عبر استراتيجية تدريجية ومنظمة'. ويقترح الخبير النفسي إبرام 'اتفاقات مكتوبة' مع الطفل، تهدف إلى تقليص ساعات الاستخدام خطوة بخطوة، لضمان انسحاب آمن للجهاز من مركز حياته دون حدوث صدمة نفسية."

ويرى ربابعة أن الخطوة الأولى تبدأ من طريقة فهم المشكلة دون اتهام، فالطفل ليس بالضرورة عنيداً، بل وقع في نمط استخدام غير صحي، ويقترح أن تبدأ الأسرة بمراقبة نمط الاستخدام من حيث الوقت والمحتوى، والأثر النفسي بعده، ثم الانتقال إلى إعادة تنظيم اليوم عبر نوم منتظم، نشاط بدني، ووقت عائلي حقيقي لا يكون شكلياً.إدمان مواقع التواصل الاجتماعي بين العلامات والحلول - المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية

ويشدّد على ضرورة الحديث مع الطفل بلغة طمأنة لا محاكمة مثل :"نحن قلقون عليك، بدل أنت مخطئ" وفي حال استمرار التدهور أو ظهور مؤشرات نفسية واضحة، يؤكد أنه لا عيب في استشارة مختص نفسي.

وعن كيفية وضع حدود صحية دون معارك يومية، يشير ربابعة إلى أن الحدود الذكية تُبنى بالحوار لا بالقوة: اتفاق مسبق على وقت الاستخدام بدل فرضه فجأة، شرح الأسباب بلغة حماية لا تسلط، الالتزام بالثبات وعدم تغيير القواعد حسب المزاج، وترك مساحة يشعر فيها الطفل بالاختيار لا بالقمع، وكلما فهم الطفل أن القاعدة جاءت لتحميه لا لتعاقبه، تراجع الصدام تلقائياً.

ويضيف أن تقليل الوقت وحده لا يكفي إذا ترك الطفل في فراغ، لذا يجب تعويض المنصات بنشاطات بديلة ممتعة، ويؤكد أن العنصر الأهم هو قدوة الأهل: لا يمكن إقناع طفل بترك الهاتف بينما البيت كله يعيش داخله.

هل تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية؟

وفي سؤال هل تتحمل شركات التكنولوجيا مسؤولية؟ كان موقف ربابعة حاسماً: نعم، تتحمل الشركات مسؤولية أخلاقية ونفسية تجاه الأطفال، فهذه المنصات بحسب وصفه، تدرك جيداً كيف تعمل أدمغة الصغار وتستثمر في جذب انتباههم لأطول وقت ممكن.

ويقول إن المسؤولية الأخلاقية تفرض حماية الفئات العمرية الصغيرة، تقليل المحتوى المؤذي، وعدم تصميم خوارزميات تُغذي الإدمان، لكنه يلفت إلى أن الواقع غالباً ما يضع الربح قبل الصحة النفسية، ما يجعل التشريعات والرقابة والوعي الأسري عناصر لا تقل أهمية عن أي وعود تقدمها الشركات.

من يحمي الأطفال؟

يختصر الدكتور زيد ربابعة رسالته للأسر بجملة واحدة "لا تتركوا أبناءكم وحدهم في العالم الرقمي" مؤكداً أن التكنولوجيا لن تختفي، لكن يمكن تعليم الأطفال استخدامها دون أن تستخدمهم، وأن الطفل الذي يجد احتواءً حقيقياً في البيت "نادراً ما يبحث عنه في شاشة".

ويردف ربابعة بالقول: سيبقى ملف إدمان الأطفال مفتوحاً على أسئلة أكبر: من يصمم التجربة الرقمية؟ من يحمي المستخدم الأصغر سناً؟ وكيف نعيد التوازن في عالم يقيس الانتباه بالأرقام.. ويترك العائلة تواجه النتائج وحدها؟.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/03 الساعة 15:27