المساد يكتب: هل استدارت واشنطن عن ضرب إيران؟ وما هو السيناريو الأقرب في التصعيد المتبادل؟

مأمون المساد
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/01 الساعة 23:12
يشهد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في بداية 2026 واحدًا من أكثر أدواره تعقيدًا منذ نهاية الحرب في غزة وعودة التنافس الإقليمي إلى الواجهة. فبينما بدا أن خيار الضربة العسكرية المباشرة لإيران هو احتمال قائم قبل أسابيع قليلة، بدأت المواقف الرسمية الأميركية والإيرانية توحي بأن هناك تراجعًا عن الانزلاق إلى مواجهة شاملة – وهذا لا يشكل استدارة كلية، لكن انتقالًا من تهديد مباشر إلى إدارة تصعيد أكثر دقة، مع ترك مساحة للدبلوماسية تحت الضغط.

صحيح انه منذ تصاعد التوترات في البحر الأحمر، والعراق، وسوريا، ووصولها إلى استهداف المصالح الأمريكية بشكل غير مباشر، كان يُفترض – وفق منطق القوة التقليدي – أن تذهب واشنطن نحو ضربة مباشرة تطال العمق الإيراني. لكن ما حدث حتى الآن يوحي بأن القرار الأمريكي لا يزال يتجنب هذا الخيار، ليس ضعفًا، بل إدراكًا لكلفته العالية سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا.

الولايات المتحدة تعلم أن أي ضربة لإيران لن تبقى في إطارها الجغرافي، بل ستفتح أبواب اشتباك متعددة الجبهات، من الخليج إلى لبنان، ومن العراق إلى البحر الأحمر. كما تدرك أن حلفاءها في المنطقة – رغم تقاطع المصالح – ليسوا متحمسين لتحمل تبعات حرب مفتوحة، خصوصًا في ظل هشاشة الأسواق العالمية، والانتخابات الأمريكية المقبلة، والإرهاق الاستراتيجي الذي تعيشه واشنطن بعد عقود من التدخلات.

ترامب كان قد أعلن عن إرسال «أسطول عسكري ضخم» بقيادة حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن إلى المنطقة، وقال إن الوقت ينفد على إيران من أجل العودة إلى مفاوضات واتفاق عادل لمنع تطوير أسلحة نووية، وإلا فإن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة ،وفي تصريحات أخرى، أكد ترامب أن إيران تتفاوض «بجدية»، مع إشارة واضحة إلى أن التوصل إلى اتفاق يمكن أن يحول دون ضربة عسكرية .

في المقابل، لم تتخلَّ إيران عن سياسة “الصبر الهجومي”، فهي ترفع منسوب الضغط دون الوصول إلى نقطة اللاعودة. تعتمد على أذرعها الإقليمية، وتُبقي الرسائل ضمن سقف محسوب: إرباك دون تفجير، واستنزاف دون مواجهة مباشرة. هذه المعادلة تخدم طهران في تعزيز موقعها التفاوضي، وإظهار قدرتها على التأثير، دون منح واشنطن ذريعة كاملة للحرب ،الا انه ورغم لغة التصعيد، أكد الرئيس الإيراني والمسؤولون أنهم لا يسعون إلى حرب، وأن السبيل الأفضل هو الحوار في ظروف متساوية – لكن دون التخلي عن حقوقهم النووية والدفاعية

هنا يمكن القول إن واشنطن لم تستدر عن خيار الضربة نهائيًا، لكنها وضعته في خانة “الملاذ الأخير”. فهي تفضل سيناريوهات أقل تكلفة: ضربات محدودة، ردود موضعية، عقوبات إضافية، ورسائل ردع عسكرية دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهذا ما يفسر استهداف مواقع لفصائل حليفة لإيران، بدل استهداف إيران مباشرة.

أما السيناريو الأقرب في التصعيد المتبادل، فيبدو أنه سيبقى ضمن إطار “التصعيد المُدار”. أي استمرار الاشتباك غير المباشر، مع ارتفاع أو انخفاض الوتيرة بحسب التطورات في غزة، والبحر الأحمر، والملف النووي الإيراني. لا حرب شاملة في الأفق القريب، ولا تهدئة كاملة أيضًا.

في الخلاصة، نحن أمام صراع إرادات لا معركة جيوش، وأمام إدارة أزمة لا قرار حرب. واشنطن وطهران تعرفان أن كسر القواعد سيقود إلى فوضى إقليمية لا يملك أي طرف رفاهية تحمل نتائجها. ولذلك، يبقى المشهد مفتوحًا على توتر طويل النفس، لا على ضربة فاصلة… على الأقل في المدى المنظور.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/01 الساعة 23:12