النائب الطراونة يكتب: العمل الحزبي من الفكرة إلى الممارسة

النائب الدكتور حسين الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/01 الساعة 10:11
ينطلق الحديث عن العمل الحزبي في الأردن من مرجعيةٍ واضحة لا تحتمل الالتباس: الرؤية الملكية للتحديث السياسي التي أكدت، قولًا وفعلًا، أن الأحزاب ركيزة أساسية لبناء دولة القانون والمؤسسات، ومسارٌ ضروري لتعزيز المشاركة الشعبية، وتطوير الأداء النيابي، وترسيخ الديمقراطية بوصفها ممارسةً يومية لا شعارًا موسميًا.

ضمن هذه الرؤية، يُفترض بالحزب أن يكون مساحةً جامعة، تُدار بالحوار، وتُبنى على التعددية، وتُحتكم فيها القرارات إلى آلياتٍ مؤسسية شفافة.

فالتحديث السياسي، كما أراده جلالة الملك، لا يقوم على استبدال الأفراد بآخرين، ولا على تغيير اللافتات، بل على تغيير الثقافة السياسية: من التفرد إلى الشراكة، ومن الإقصاء إلى الاحتواء، ومن القرار الفردي إلى العمل الجماعي المنظم.

إن جوهر العمل الحزبي في ضوء الرؤية الملكية يقوم على التوازن بين البعد الوطني والتمثيل المحلي. فالنائب القادم من كتلةٍ محلية لا يحمل همّ منطقته فحسب، بل يُجسّد فكرة الدولة القريبة من الناس، الدولة التي تُنصت للأطراف كما تُنصت للمركز.

وحين تضيق المساحات داخل الحزب أمام هذه الأصوات، فإن الخلل لا يكون في الفكرة الحزبية، بل في ممارستها، وفي ابتعادها عن جوهر الإصلاح الذي يقوم على توسيع المشاركة لا تقليصها.

كما تؤكد الرؤية الملكية أن الأحزاب القوية هي تلك التي تُدار بالمأسسة، لا بالشخصنة؛ وبالقواعد، لا بالأمزجة. فالتفرد بالقرار _ مهما حسنت النوايا _ يُضعف الثقة، ويُقوّض روح الفريق، ويُفرغ العمل الحزبي من مضمونه الإصلاحي. أما القيادة الحزبية الرشيدة، فهي التي ترى في الاختلاف مصدر قوة، وتُدير التباين بوصفه عنصر إثراء لا تهديد.

وفي هذا السياق، فإن ما نشهده من تنقّل بعض النواب بين التجارب الحزبية، أو خروجهم منها، ينبغي أن يُقرأ قراءةً موضوعية ومسؤولة. فهو ليس بالضرورة تعبيرًا عن رفضٍ للعمل الحزبي، بل في كثير من الأحيان إشارة إلى فجوةٍ بين الرؤية المعلنة والممارسة الفعلية.

والاستجابة الحكيمة لمثل هذه الظواهر لا تكون بالتشكيك في النوايا، بل بمراجعة الآليات، وتصويب الهياكل، وتعزيز الشفافية الداخلية.

إن الرؤية الملكية للتحديث السياسي تدعونا جميعًا _ أحزابًا ونوابًا ومؤسسات _ إلى تحمّل مسؤولية الانتقال من الخطاب إلى الفعل. أحزابٌ تُنتج البرامج لا البيانات، وتُدرّب الكوادر لا تُصنّفها، وتُشرك الأعضاء في صنع القرار بدل الاكتفاء بإبلاغهم به. فبهذا فقط يصبح الحزب مدرسةً سياسية، لا محطةً عابرة.

إن الإيمان بالعمل الحزبي، ضمن الرؤية الملكية، يعني الإيمان بحق المراجعة والتصويب، لا القبول بالأمر الواقع. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل: من احترام الصوت المختلف، وتكريس ثقافة الشراكة، وبناء أحزابٍ تعكس روح الدولة التي نريدها دولةً حديثة، تشاركية، واثقة بنفسها، وقادرة على تحويل التنوع إلى قوة، والعمل الجماعي إلى إنجاز وطني مستدام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/02/01 الساعة 10:11