الخوالدة يكتب: بين طهران وتل أبيب.. النفوذ الإقليمي وغياب المشروع العربي

د. زيد احسان الخوالدة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 21:02
ليس الصراع بين إيران وإسرائيل صراعًا عقائديًا خالصًا، ولا مواجهة وجودية بالمعنى التقليدي، بل هو صراع نفوذ إقليمي يُدار بأدوات عسكرية محدودة ويُغلف بخطاب أيديولوجي واسع.

إيران تتقدم إلى الإقليم من بوابة “المقاومة”، لكنها لا تخوض معاركها داخل جغرافيتها السيادية، بل عبر مسارح متقدمة في بلاد أنهكها الانقسام، وتآكلتها الحروب، وأصبحت قابلة للاستخدام كرسائل ردع بالنيابة.

وإسرائيل، في المقابل، تعيد إنتاج خطاب “التهديد الوجودي”، بينما توسّع مفهوم أمنها القومي ليشمل حدودًا لم تُرسم لها تاريخيًا، وتتعامل مع الجوار بوصفه مجالًا أمنيًا لا فضاءً سياسيًا.

في هذا الاشتباك غير المباشر، تتحول فلسطين من قضية تحرر إلى وظيفة سياسية:

وظيفة تعبئة في خطاب،

وظيفة تبرير في خطاب مضاد.

تُذكر في البيانات، وتُختزل في الشعارات، وتغيب عن أي مشروع تحرري عربي مستقل المعالم.

العالم العربي، في هذا السياق، لا يؤدي دور الفاعل بقدر ما يُدفع إلى موقع الساحة.

ساحات تُختبر فيها قدرات الصواريخ،

وتُقاس فيها حدود الردع،

وتُدار فيها رسائل القوة بين عاصمتين لا تتواجهان مباشرة، بل تتقاطعان فوق مدن الآخرين.

ولا بد للإشارة إلى موقف الأردن: يحق له الدفاع عن سمائه بكل وضوح. فإيران تستطيع ضرب الكيان الإسرائيلي دون المرور فوق الأراضي الأردنية، لكنها ترغب في أن تكون أي آثار لصواريخ الدفاع الإسرائيلية أو تصحيحها تقع في الأردن، وهو أمر يضع المملكة في قلب معادلة دقيقة تتطلب يقظة عالية ووعيًا استراتيجيًا.

ليس السؤال الحقيقي: من سيربح جولة من هذا الاشتباك؟

بل: من سيُعيد تعريف قواعد اللعبة؟

ذلك أن الصراع لم يعد يُقاس بتحرير أرض أو كسر جيش، بل بتوسيع مجال التأثير، وإدارة الخوف، وضبط الإيقاع الإقليمي دون انفجار شامل.

والأخطر من هذا كله، أن تتحول الأمة إلى متلقٍّ دائم للأحداث، لا مشارك في صياغتها، وأن يُستبدل السؤال الاستراتيجي الكبير: ماذا نريد؟

بسؤال تكتيكي صغير: مع من نقف اليوم؟

فالأمم لا تُهزم فقط حين تُقصف،

بل حين تفقد تعريفها لذاتها،

وتُختزل في ردود فعل لا في خيارات واعية.

من منظور استراتيجي، هذا الصراع يُدار وفق معادلة دقيقة:

ضربات دون حرب شاملة، ورسائل دون انفجار، وتوازن رعب دون تسوية حقيقية.

إسرائيل تحاول منع تشكّل طوق عسكري دائم حولها، وإيران تثبت حضورها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.

وفي هذا الإطار، تُدار الساحات السياسية في بعض الدول الإقليمية كأوراق تفاوض؛ حيث يُعاد تدوير الشخصيات وتوظيفها انتخابيًا أحيانًا، كما يُتداول حول ضغوط واشنطن على بعض الشخصيات مثل المالكي لتأثير الترشح، بما يحقق مصالح أكبر اللاعبين دون أن تتحرك الأمة بوعي استراتيجي مستقل.

بهذا، يصبح الصراع بين طهران وتل أبيب ليس مجرد تبادل صواريخ، بل معركة متشابكة بين الحرب والسياسة والانتخابات والتأثير الإقليمي، ويظل العرب – في ظل غياب مشروعهم المستقل – مجرد ساحة لمعادلة يكتبها الآخرون، ويُطلب منهم فقط أن يتحملوا نتائجها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 21:02