مِحنة بزشكيان: الإصلاح المتأخر وإمكانات الانتقال من داخل النظام الإيراني
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 15:22
مدار الساعة - تحاول هذه القراءة أن تناقش الأزمة الإيرانية الراهنة، بوصفها أزمة بنيوية مركّبة، نتجت عن تراكم اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، وتفاقمت مع تراجع المشروع الإقليمي الإيراني وانكفائه القسري نحو الداخل. وتبدو، في هذه القراءة، تجربة مسعود بزشكيان، تجسيدًا حيًا لمحنة الإصلاحيّ حين يُستدعى بعد فوات أوانه، لا كمشروع تحوّل بنيوي، ولكن كأداة لإدارة الانسداد وتقليل كلفة الانهيار.
ولمزيد من الفهم، ضمن حيثية التجربة الإيرانية، في مرحلتيّ سقوط نظام الشاه، والأزمة الراهنة بوصفها أزمة مصيرية، ربما لم يشهد نظام آيات الله مثيلاً لجديتها على مدى عقود؛ أحاولُ، هنا، أن أقيم مقاربة مترابطة تجمع بين المقارنة التاريخية لعدة نماذج مفاهيمية (إحسان نراغي، شهبور بختيار، حسن روحاني)، والتحليل البنيوي لموقع الرئاسة داخل منظومة شرعية، أمنية، مأزومة، ومحاولة قراءة “أخلاقية” لما أتخيله من صراع داخلي قاسٍ ومرير يواجهه رئيس إصلاحي يرأس دولة تُدار بمنطق الاستثناء.
وحتى تكتمل القراءة، في هذه اللحظة الحرجة من مسار الجمهورية الإسلامية في إيران، يجدر الالتفات أيضا، إلى إرث آية الله حسين علي منتظري، والذي قد يمثّل أفقًا انتقاليًا داخليًا، أخيراً، ربما يسمح بإعادة توزيع السلطة دون كسر رمزية الشرعية أو الانزلاق إلى فراغ سياسي أو عسكرة شاملة. مع أهمية الانتباه إلى حقيقة أن “الإصلاح المؤجَّل”، حين يُستدعى، في أعتى الأزمات، يتحول، بشكل يدعو للأسى والتأمل، إلى وضعية تراجيدية لا تُنقذ الدولة ولا تحمي الإصلاحيّ.
وأرجو أن ألفت، هنا، إلى أن هذه القراءة، وهي تعتمد منهجًا تحليليًا تفسيريًا يجمع بين المقارنة التاريخية والتحليل البنيوي وقراءة السياقات؛ لا تهدف، عن سابق قصد، إلى تقديم تنبؤات سياسية أو وصفات تنفيذية، بل إلى تفسير وتفكيك المأزق البنيوي الذي يواجه الإصلاح في السياق الإيراني، واستكشاف الإمكانات الانتقالية الكامنة في التراث الداخلي للنظام نفسه.
تميل الأنظمة الشمولية المستقرة، غالباً، إلى صون توازناتها القائمة، وتتعامل مع الإصلاح بوصفه مخاطرة. أمّا حين تتراكم الأزمات وتتآكل الشرعية، يُستدعى “الإصلاحي”، وليس “الإصلاح”؛ خيارًا اضطراريًا لا لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، ولكن لتهدئة الغضب وشراء الوقت. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال عن صدقية الإصلاحيّ أو كفاءته، بل عن التوقيت؛ هل جاء في زمن الإمكان أم بعد استنزاف الزمن السياسي؟
بهذا المعنى، تُقرأ تجربة الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان بوصفها، في أحد وربما أصعب وجوهها “محنة” رجل محترم، وجد نفسه في لحظة مريرة وفي صراع عميق مع ذاته وبين برنامجه وإكراهات موقعه الرسمي. ولا يبدو بزشكيان، وحيداً في هذه المحنة. والمفارقة، أن التاريخ الإيراني الحديث حافل بشواهد وامثلة، استُدعي بها إصلاحيون و”معتدلون”، في لحظات الأفول. وسأعرض، تالياً، لعدّة أمثلة معاصرة، قد تشرح محنة بزشكيان.
أولا، إحسان نراغي، الإصلاح المفسِّر الذي احترق؛ هذا الرجل لم يكن سياسيًا حزبيًا، بل عالم اجتماع تشكّل وعيُه في فضاءات التنمية الدولية. رأى أن أزمة الدولة الحديثة ليست أمنية فقط، بل أزمة فهم وانفصال بين السلطة والمجتمع. ومن سوء طالعه، أن وقع الاختيار عليه، في أواخر عهد الشاه (بحكم علاقة قربى ربطته بزوجة الشاه الإمبراطورة فرح ديبا)، ومع فشل المقاربة الأمنية، ليؤدي وظيفة الشرح و”السرد” دون أدوات تنفيذية أو حماية سياسية.
خاض نراغي حوارات مهمة ونوعية مع الشاه في آخر أيام حكمه. وقدم شهادة تاريخية تركها لمن يريد أن يقرأ في كتابه المهم “من بلاط الشاه الى سجون الثورة”. هذا المفكر الهادئ والإصلاحي، وجد نفسه بعد انتصار الثورة، مداناً ومعتقلاً في سجن إيفين، سيء الصيت، مع رموز عهد الشاه ممن ناصبوه العداء مفكرا مستقلا ومستشارا قريبا من الشاه في لحظات إنهيار نظامه. وكانت دلالة تجربته قاسية، ودرساً بحد ذاتها، ومفاده أن الإصلاح الخطابي بلا أدوات في زمن الانفجار يحوّل الإصلاحي إلى كبش فداء.
ثانيًا، شهبور بختيار؛ يمثل شهبور بختيار النموذج الأدق للإصلاحي الذي يُستدعى في الوقت الضائع. جاء من سياق قومي–مصدقي (تيار رئيس الوزراء الإيراني الأسبق والسجين السياسي لاحقاً الدكتور محمد مصدق) كمعارض تاريخيًا للاستبداد، وحامل لإرث الحركة الوطنية الإيرانية القائمة على الدستور والبرلمان والحريات.
قَبِل بختيار رئاسة الحكومة في الأيام الأخيرة من حكم الشاه، حين كانت مؤسسات الدولة قد تآكلت والشارع قد تجاوز المطالب الإصلاحية إلى القطيعة. اتخذ الرجل إجراءات إصلاحية متأخرة لكنها دالّة (حلّ السافاك، إطلاق الحريات، التعهد بالانتخابات)، غير أنها جاءت بعد فوات الأوان السياسي. وبطبيعة الحال، لم يثق به الشارع، ولم يمتلك نفوذًا داخل أجهزة دولة مفككة، ولم يحظَ بسند حاسم من القصر أو المؤسسة العسكرية.
تجربة بختيار تؤشر على حقيقة بنيوية، تقول إن الإصلاحي الذي يُستدعى في لحظة الانهيار يُحمَّل مسؤولية فشل لم يصنعه، ويُترك وحيدًا في مواجهة سقوط بدأ قبل وصوله.
ثالثًا؛ حسن روحاني، هذا الرجل قصة أخرى، وتجربة تستحق الوقوف عندها مطولاً، فهو؛ نتاجٌ مركّب لبنية النظام الإيراني، تشكّل في صلب المؤسسة الأمنية–الدينية ثم أعاد تموضعه تدريجيًا داخل فضاء الاعتدال، لا قطيعةً مع النظام بل إعادة تفسيرٍ لوظيفته وحدوده.
سياسيًا، خبر روحاني قلب الدولة العميقة، عضواً في مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة، وأميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، ومفاوضاً مهما في الملف النووي (أطلق عليه لقلب الشيخ الدبلوماسي)، ثم رئيساً للجمهورية. منحته هذه الخلفية مصداقية داخلية، مكّنته من فتح ملفات كبرى، لكنها قيّدته أيضًا؛ فصار حارسًا للتوازن أكثر من كونه كاسرًا له.
دينيًا، ينتمي روحاني إلى تقليد «فقه الدولة» لا «فقه الثورة»؛ حضور إداري–تأويلي يوفّق بين الشرعية الدينية ومتطلبات الحكم، دون دفع مراجعات فقهية عميقة تتجاوز السقف القائم لولاية الفقيه. أما تحوّله من رجل أمن إلى رمز للاعتدال فكان نتاج تراكم تجربة مع الحصار والصدام، ومأساة شخصية وعائلية (انتحار ابنه البكر محمد مطلع تسعينيات القرن الفائت مع رسالة احتجاج مؤلمة)؛ مثّل الشيخ روحاني حالة اعتدال براغماتي هدف إلى إنقاذ الدولة من الاستنزاف أكثر مما أسس لإعادة تعاقد داخلي.
التفّ حول روحاني فريقٌ معتدل ذو كفاءة تفاوضية عالية وقاعدة اجتماعية ضعيفة؛ قويّ خارجيًا، متحفظ داخليًا. راهن على أن رفع العقوبات سيُنتج تهدئة سياسية تلقائية، فاختار الإدارة بدل المواجهة وتأجيل الداخل إلى ما بعد الخارج. جاء روحاني في لحظة نادرة من حيث الشروط، لكنه لم يحوّلها إلى إصلاح داخلي. دلالته البنيوية واضحة؛ امتلاك الزمن دون استثماره قد يكون أخطر من فقدانه أصلًا، وهو ما يفسّر قسوة اللحظة التي ورثها بزشكيان.
رابعًا؛ وهنا، يجيء مسعود بزشكيان طبيب وجراح القلب، والوزير السابق في حكومة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (لم أستعرض تجربة خاتمي مع النماذج السابقة، لا لفقرها، بل لكونها تستأهل وقفة أخرى مستقلة ومفصلة). هنا، تبدو خلفية بزشكيان المهنية أكثر من مجرد كونها تفصيلاً سيرذاتيًا، بل منطق فعل أخلاقي يقوم على إنقاذ الممكن وتخفيف الألم وتجنّب الإضرار.
سياسيًا، ينتمي بزشكيان إلى تقليد إصلاحي أخلاقي بعيد نسبيًا عن شبكات المصالح الاقتصادية الكبرى، وقريب من قاعدة اجتماعية أنهكها التدهور المعيشي. حملته هذه القاعدة إلى الرئاسة بوصفه اعترافًا بشرعية الاحتجاج وعودةً للسياسة كاستجابة للكرامة. ولكنه، جاء في وقت يشبه الوقت الضائع. كانت إيران قد خسرت كل أذرعها وساحاتها الخارجية التي طالما خاضت من خلالها أو فيها مواجهاتها ومفاوضاتها وصفقاتها، وخرجت بجراح معنوية وعسكرية واقتصادية مؤلمة. وخسرت صفاً أول من قياداتها العسكرية والسياسة والدبلوماسية معاً (قاسم سليماني، إبراهيم رئيسي وأمير عبداللهيان)، صفاً لا يمكن تعويضه. ومن يعرف إيران جيدا يدرك صعوبة تعويض القادة.
تسلّم بزشكيان السلطة، إذن، في لحظة أفول مركّبة؛ تضخم وتآكل القدرة الشرائية، دورات احتجاج وفقدان ثقة، هيمنة منطق الأمن وحالة استثناء ممتدة وتراجع المشروع الخارجي وتحوله من رافعة شرعية إلى عبء استنزاف. هذه، بوضوح، ليست لحظة إصلاح، بل لحظة إدارة خسارة.
عاش بزشكيان، وما زال، صراعًا بين أخلاق القناعة (شرعية الاحتجاج والكرامة) وأخلاق المسؤولية (حساب العواقب ومنع الانفلات). وبصفته رئيسًا لمجلس الأمن القومي، يُطلب منه التماهي مع منطق قمعي تمارسه قوى داخل النظام ضد قاعدته الاجتماعية نفسها.
القرار هنا ليس بين صواب وخطأ، بل بين خطأين مشروعين؛ تراجيديا بنيوية تُعمّق اغتراب الإصلاحي داخل السلطة..! وإذا كان بزشكيان عاجزًا عن الحل داخل النموذج القائم، فالمشكلة في النموذج نفسه. ولاية الفقيه، تظهر هنا، بصيغتها المطلقة ركيزة شرعية؛ إسقاطها دون بديل رمزي فقهي يفتح فراغًا أو عسكرة، والإبقاء عليها بصيغتها الحالية، بات يهدد الدولة أكثر مما يحميها. المسألة ليست إسقاطًا، بل نزولًا مسيطرًا عن الشجرة، علّه يحفظ الحد الأدنى من التماسك.
وهنا، ربما يمثّل إرث آية الله حسين علي منتظري المرجعية الأكثر تماسكًا لإعادة فتح النقاش من داخل النظام، فالرجل كان شريكاً في التأسيس ثم ناقداً من الداخل. قاد مراجعات فقهية بأدوات داخلية، ميّز بوضوح بين الشرعية الدينية والسلطة التنفيذية. دعا إلى تقليص الولاية ونزع طابعها التنفيذي وربط الحكم بإرادة الناس. قوّة هذا الإرث أنه تصحيح تاريخي متأخر لا بديلًا ثوريًا.
إرث آية الله منتظري، النائب السابق لقائد الثورة الإيرانية ومرشدها آية الله خميني، والذي عزله قبل نحو ثلاثة أشهر من وفاته، يعيد تعريف الإرشاد الديني كمرجعية أخلاقية فقهية بلا سلطة تنفيذية، مع نقل الإدارة كاملةً إلى المؤسسات المنتخبة وتعزيز المساءلة، وتحييد و”مهننة” المؤسسات المسلحة والأمنية؛ وإعادة بناء الشرعية على أساس تعاقدي اجتماعي مع الحفاظ على الرمزية الدينية كضمير لا كوصاية.
خلاصة القول، تحاول هذه القراءة أن تفسّر مِحنة بزشكيان ليس بوصفها محنة فردية (على حساسية البعد الشخصي). ولكن، كاختبار لجدوى الإصلاح حين يُستدعى بعد فوات الأوان. وبالمحصلة، لن تخرج إيران من أزمتها بالقطيعة مع ذاتها، بل بإعادة قراءة تراثها المختلف عليه. ويقدّم إرث منتظري لغة داخلية للانتقال بلا إذلال، والنزول عن الشجرة دون السقوط منها. غير أن الزمن ضيّق، والنافذة لا تبقى مفتوحة طويلًا؛ وما لا يُلتقط في لحظة الانكشاف، قد لا يعود متاحًا بعد قليل. وهنا، لا تبدو “استراتيجية السِّجاد”، والصبر الإستراتيجي، عامل قوة وفرادة للسياسىة الإيرانية؛ فالأمة التي اخترعت الشطرنج خسرت الكثير من معاركها على مرّ التاريخ بسبب حركة خاطئة في وقت فائت.
ولمزيد من الفهم، ضمن حيثية التجربة الإيرانية، في مرحلتيّ سقوط نظام الشاه، والأزمة الراهنة بوصفها أزمة مصيرية، ربما لم يشهد نظام آيات الله مثيلاً لجديتها على مدى عقود؛ أحاولُ، هنا، أن أقيم مقاربة مترابطة تجمع بين المقارنة التاريخية لعدة نماذج مفاهيمية (إحسان نراغي، شهبور بختيار، حسن روحاني)، والتحليل البنيوي لموقع الرئاسة داخل منظومة شرعية، أمنية، مأزومة، ومحاولة قراءة “أخلاقية” لما أتخيله من صراع داخلي قاسٍ ومرير يواجهه رئيس إصلاحي يرأس دولة تُدار بمنطق الاستثناء.
وحتى تكتمل القراءة، في هذه اللحظة الحرجة من مسار الجمهورية الإسلامية في إيران، يجدر الالتفات أيضا، إلى إرث آية الله حسين علي منتظري، والذي قد يمثّل أفقًا انتقاليًا داخليًا، أخيراً، ربما يسمح بإعادة توزيع السلطة دون كسر رمزية الشرعية أو الانزلاق إلى فراغ سياسي أو عسكرة شاملة. مع أهمية الانتباه إلى حقيقة أن “الإصلاح المؤجَّل”، حين يُستدعى، في أعتى الأزمات، يتحول، بشكل يدعو للأسى والتأمل، إلى وضعية تراجيدية لا تُنقذ الدولة ولا تحمي الإصلاحيّ.
وأرجو أن ألفت، هنا، إلى أن هذه القراءة، وهي تعتمد منهجًا تحليليًا تفسيريًا يجمع بين المقارنة التاريخية والتحليل البنيوي وقراءة السياقات؛ لا تهدف، عن سابق قصد، إلى تقديم تنبؤات سياسية أو وصفات تنفيذية، بل إلى تفسير وتفكيك المأزق البنيوي الذي يواجه الإصلاح في السياق الإيراني، واستكشاف الإمكانات الانتقالية الكامنة في التراث الداخلي للنظام نفسه.
تميل الأنظمة الشمولية المستقرة، غالباً، إلى صون توازناتها القائمة، وتتعامل مع الإصلاح بوصفه مخاطرة. أمّا حين تتراكم الأزمات وتتآكل الشرعية، يُستدعى “الإصلاحي”، وليس “الإصلاح”؛ خيارًا اضطراريًا لا لإعادة تأسيس العقد الاجتماعي، ولكن لتهدئة الغضب وشراء الوقت. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال عن صدقية الإصلاحيّ أو كفاءته، بل عن التوقيت؛ هل جاء في زمن الإمكان أم بعد استنزاف الزمن السياسي؟
بهذا المعنى، تُقرأ تجربة الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان بوصفها، في أحد وربما أصعب وجوهها “محنة” رجل محترم، وجد نفسه في لحظة مريرة وفي صراع عميق مع ذاته وبين برنامجه وإكراهات موقعه الرسمي. ولا يبدو بزشكيان، وحيداً في هذه المحنة. والمفارقة، أن التاريخ الإيراني الحديث حافل بشواهد وامثلة، استُدعي بها إصلاحيون و”معتدلون”، في لحظات الأفول. وسأعرض، تالياً، لعدّة أمثلة معاصرة، قد تشرح محنة بزشكيان.
أولا، إحسان نراغي، الإصلاح المفسِّر الذي احترق؛ هذا الرجل لم يكن سياسيًا حزبيًا، بل عالم اجتماع تشكّل وعيُه في فضاءات التنمية الدولية. رأى أن أزمة الدولة الحديثة ليست أمنية فقط، بل أزمة فهم وانفصال بين السلطة والمجتمع. ومن سوء طالعه، أن وقع الاختيار عليه، في أواخر عهد الشاه (بحكم علاقة قربى ربطته بزوجة الشاه الإمبراطورة فرح ديبا)، ومع فشل المقاربة الأمنية، ليؤدي وظيفة الشرح و”السرد” دون أدوات تنفيذية أو حماية سياسية.
خاض نراغي حوارات مهمة ونوعية مع الشاه في آخر أيام حكمه. وقدم شهادة تاريخية تركها لمن يريد أن يقرأ في كتابه المهم “من بلاط الشاه الى سجون الثورة”. هذا المفكر الهادئ والإصلاحي، وجد نفسه بعد انتصار الثورة، مداناً ومعتقلاً في سجن إيفين، سيء الصيت، مع رموز عهد الشاه ممن ناصبوه العداء مفكرا مستقلا ومستشارا قريبا من الشاه في لحظات إنهيار نظامه. وكانت دلالة تجربته قاسية، ودرساً بحد ذاتها، ومفاده أن الإصلاح الخطابي بلا أدوات في زمن الانفجار يحوّل الإصلاحي إلى كبش فداء.
ثانيًا، شهبور بختيار؛ يمثل شهبور بختيار النموذج الأدق للإصلاحي الذي يُستدعى في الوقت الضائع. جاء من سياق قومي–مصدقي (تيار رئيس الوزراء الإيراني الأسبق والسجين السياسي لاحقاً الدكتور محمد مصدق) كمعارض تاريخيًا للاستبداد، وحامل لإرث الحركة الوطنية الإيرانية القائمة على الدستور والبرلمان والحريات.
قَبِل بختيار رئاسة الحكومة في الأيام الأخيرة من حكم الشاه، حين كانت مؤسسات الدولة قد تآكلت والشارع قد تجاوز المطالب الإصلاحية إلى القطيعة. اتخذ الرجل إجراءات إصلاحية متأخرة لكنها دالّة (حلّ السافاك، إطلاق الحريات، التعهد بالانتخابات)، غير أنها جاءت بعد فوات الأوان السياسي. وبطبيعة الحال، لم يثق به الشارع، ولم يمتلك نفوذًا داخل أجهزة دولة مفككة، ولم يحظَ بسند حاسم من القصر أو المؤسسة العسكرية.
تجربة بختيار تؤشر على حقيقة بنيوية، تقول إن الإصلاحي الذي يُستدعى في لحظة الانهيار يُحمَّل مسؤولية فشل لم يصنعه، ويُترك وحيدًا في مواجهة سقوط بدأ قبل وصوله.
ثالثًا؛ حسن روحاني، هذا الرجل قصة أخرى، وتجربة تستحق الوقوف عندها مطولاً، فهو؛ نتاجٌ مركّب لبنية النظام الإيراني، تشكّل في صلب المؤسسة الأمنية–الدينية ثم أعاد تموضعه تدريجيًا داخل فضاء الاعتدال، لا قطيعةً مع النظام بل إعادة تفسيرٍ لوظيفته وحدوده.
سياسيًا، خبر روحاني قلب الدولة العميقة، عضواً في مجلس الشورى ومجلس خبراء القيادة، وأميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي، ومفاوضاً مهما في الملف النووي (أطلق عليه لقلب الشيخ الدبلوماسي)، ثم رئيساً للجمهورية. منحته هذه الخلفية مصداقية داخلية، مكّنته من فتح ملفات كبرى، لكنها قيّدته أيضًا؛ فصار حارسًا للتوازن أكثر من كونه كاسرًا له.
دينيًا، ينتمي روحاني إلى تقليد «فقه الدولة» لا «فقه الثورة»؛ حضور إداري–تأويلي يوفّق بين الشرعية الدينية ومتطلبات الحكم، دون دفع مراجعات فقهية عميقة تتجاوز السقف القائم لولاية الفقيه. أما تحوّله من رجل أمن إلى رمز للاعتدال فكان نتاج تراكم تجربة مع الحصار والصدام، ومأساة شخصية وعائلية (انتحار ابنه البكر محمد مطلع تسعينيات القرن الفائت مع رسالة احتجاج مؤلمة)؛ مثّل الشيخ روحاني حالة اعتدال براغماتي هدف إلى إنقاذ الدولة من الاستنزاف أكثر مما أسس لإعادة تعاقد داخلي.
التفّ حول روحاني فريقٌ معتدل ذو كفاءة تفاوضية عالية وقاعدة اجتماعية ضعيفة؛ قويّ خارجيًا، متحفظ داخليًا. راهن على أن رفع العقوبات سيُنتج تهدئة سياسية تلقائية، فاختار الإدارة بدل المواجهة وتأجيل الداخل إلى ما بعد الخارج. جاء روحاني في لحظة نادرة من حيث الشروط، لكنه لم يحوّلها إلى إصلاح داخلي. دلالته البنيوية واضحة؛ امتلاك الزمن دون استثماره قد يكون أخطر من فقدانه أصلًا، وهو ما يفسّر قسوة اللحظة التي ورثها بزشكيان.
رابعًا؛ وهنا، يجيء مسعود بزشكيان طبيب وجراح القلب، والوزير السابق في حكومة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي (لم أستعرض تجربة خاتمي مع النماذج السابقة، لا لفقرها، بل لكونها تستأهل وقفة أخرى مستقلة ومفصلة). هنا، تبدو خلفية بزشكيان المهنية أكثر من مجرد كونها تفصيلاً سيرذاتيًا، بل منطق فعل أخلاقي يقوم على إنقاذ الممكن وتخفيف الألم وتجنّب الإضرار.
سياسيًا، ينتمي بزشكيان إلى تقليد إصلاحي أخلاقي بعيد نسبيًا عن شبكات المصالح الاقتصادية الكبرى، وقريب من قاعدة اجتماعية أنهكها التدهور المعيشي. حملته هذه القاعدة إلى الرئاسة بوصفه اعترافًا بشرعية الاحتجاج وعودةً للسياسة كاستجابة للكرامة. ولكنه، جاء في وقت يشبه الوقت الضائع. كانت إيران قد خسرت كل أذرعها وساحاتها الخارجية التي طالما خاضت من خلالها أو فيها مواجهاتها ومفاوضاتها وصفقاتها، وخرجت بجراح معنوية وعسكرية واقتصادية مؤلمة. وخسرت صفاً أول من قياداتها العسكرية والسياسة والدبلوماسية معاً (قاسم سليماني، إبراهيم رئيسي وأمير عبداللهيان)، صفاً لا يمكن تعويضه. ومن يعرف إيران جيدا يدرك صعوبة تعويض القادة.
تسلّم بزشكيان السلطة، إذن، في لحظة أفول مركّبة؛ تضخم وتآكل القدرة الشرائية، دورات احتجاج وفقدان ثقة، هيمنة منطق الأمن وحالة استثناء ممتدة وتراجع المشروع الخارجي وتحوله من رافعة شرعية إلى عبء استنزاف. هذه، بوضوح، ليست لحظة إصلاح، بل لحظة إدارة خسارة.
عاش بزشكيان، وما زال، صراعًا بين أخلاق القناعة (شرعية الاحتجاج والكرامة) وأخلاق المسؤولية (حساب العواقب ومنع الانفلات). وبصفته رئيسًا لمجلس الأمن القومي، يُطلب منه التماهي مع منطق قمعي تمارسه قوى داخل النظام ضد قاعدته الاجتماعية نفسها.
القرار هنا ليس بين صواب وخطأ، بل بين خطأين مشروعين؛ تراجيديا بنيوية تُعمّق اغتراب الإصلاحي داخل السلطة..! وإذا كان بزشكيان عاجزًا عن الحل داخل النموذج القائم، فالمشكلة في النموذج نفسه. ولاية الفقيه، تظهر هنا، بصيغتها المطلقة ركيزة شرعية؛ إسقاطها دون بديل رمزي فقهي يفتح فراغًا أو عسكرة، والإبقاء عليها بصيغتها الحالية، بات يهدد الدولة أكثر مما يحميها. المسألة ليست إسقاطًا، بل نزولًا مسيطرًا عن الشجرة، علّه يحفظ الحد الأدنى من التماسك.
وهنا، ربما يمثّل إرث آية الله حسين علي منتظري المرجعية الأكثر تماسكًا لإعادة فتح النقاش من داخل النظام، فالرجل كان شريكاً في التأسيس ثم ناقداً من الداخل. قاد مراجعات فقهية بأدوات داخلية، ميّز بوضوح بين الشرعية الدينية والسلطة التنفيذية. دعا إلى تقليص الولاية ونزع طابعها التنفيذي وربط الحكم بإرادة الناس. قوّة هذا الإرث أنه تصحيح تاريخي متأخر لا بديلًا ثوريًا.
إرث آية الله منتظري، النائب السابق لقائد الثورة الإيرانية ومرشدها آية الله خميني، والذي عزله قبل نحو ثلاثة أشهر من وفاته، يعيد تعريف الإرشاد الديني كمرجعية أخلاقية فقهية بلا سلطة تنفيذية، مع نقل الإدارة كاملةً إلى المؤسسات المنتخبة وتعزيز المساءلة، وتحييد و”مهننة” المؤسسات المسلحة والأمنية؛ وإعادة بناء الشرعية على أساس تعاقدي اجتماعي مع الحفاظ على الرمزية الدينية كضمير لا كوصاية.
خلاصة القول، تحاول هذه القراءة أن تفسّر مِحنة بزشكيان ليس بوصفها محنة فردية (على حساسية البعد الشخصي). ولكن، كاختبار لجدوى الإصلاح حين يُستدعى بعد فوات الأوان. وبالمحصلة، لن تخرج إيران من أزمتها بالقطيعة مع ذاتها، بل بإعادة قراءة تراثها المختلف عليه. ويقدّم إرث منتظري لغة داخلية للانتقال بلا إذلال، والنزول عن الشجرة دون السقوط منها. غير أن الزمن ضيّق، والنافذة لا تبقى مفتوحة طويلًا؛ وما لا يُلتقط في لحظة الانكشاف، قد لا يعود متاحًا بعد قليل. وهنا، لا تبدو “استراتيجية السِّجاد”، والصبر الإستراتيجي، عامل قوة وفرادة للسياسىة الإيرانية؛ فالأمة التي اخترعت الشطرنج خسرت الكثير من معاركها على مرّ التاريخ بسبب حركة خاطئة في وقت فائت.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 15:22