العتوم يكتب: روسيا قلقة على وحدة سوريا

د. حسام العتوم
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 13:47
زيارتان للرئيس السوري أحمد الشرع منذ توليه زمام السلطة في دمشق عام 2025 للعاصمة موسكو بدعوة من رئيس روسيا الاتحادية فلاديمير بوتين ،و العنوان واحد ،هو عدم خسران سوريا ،و البحث في وحدة أراضيها و استقرارها ، وهو الأمر الذي تحقق لروسيا بعيدا عن الرهاب غير المبرر ( أي تخويف العالم من روسيا ) الذي يلاحقها حاليا من جهة الاتحاد الأوروبي ، ولم يعد كذلك من طرف الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت قريبة من روسيا ، و تحاورها بإستمرار عبر دونالد ترامب ،و ستيف و يتكوف ، و جاليرد كوشنير ، و جورج ، و ماركو روبيو . ولقد بنت روسيا علاقات استراتيجية ملاحظة مع سوريا منذ عهد عائلة الأسد حافظ و بشار ، وقدمت المساعدات المهمة لها وفي مقدمتها الاقتصادية و العسكرية ، و النصائح كذلك ، ووقف الاتحاد السوفيتي إلى جانب سوريا و العرب في حروبهم مع إسرائيل عامي 1967 و 1973 ،وهو الأمر الذي أشر على تغير بوصلة روسيا السوفيتية عما كان عليه الحال في حرب عام 1948 و بالتناغم مع الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب ،و الذي هدف حينها لبناء إسرائيل كنقطة ارتكاز لنشر الاشتراكية في المنطقة العربية و الشرق أوسطية ، وهو الذي فشل مع انهيار الاتحاد السوفيتي ،وسقوط نظام البعث في سوريا و العراق . ولم يحالف الحظ الاتحاد السوفيتي الوصول لمرحلة الشيوعية من دون عملة سوفيتية وقتها مع حلول عام 1991 ، عام الإنهيار .

راهن الكثيرون في الداخل العربي ، و في الخارج الغربي على خروج روسيا من سوريا بالكامل ،و أعلنوا فرحهم و زغاريدهم ، لكن لياليهم لم تكن طويلة ، فجاء الصباح الروسي مبشرا ببزوغ شمس علاقات استراتيجية جديدة مع روسيا تكون طويلة الأمد ، و هكذا فاجأ الشرع العالم بإعلانه بأن علاقة بلده سوريا بروسيا ستكون استراتيجية ثابتة طويلة المدى . و الشرع ثائر من أجل سوريا ، ولم يقبل الضيم لها ، و لم يكن إرهابيا يوما كما تشيع ماكنة إعلام الغرب ، لكن أوراق النضال وقتها اختلطت ،و خلطت بين الكفاح الوطني و القومي و بين الإرهاب . وها هو تنظيم القاعدة الارهابي يرحل من سوريا إلى العراق في خطوة اعتبرت جريئة و أمام أعين العالم . و تمكن الشرع من الإمساك بطوق النجاة تجاه الأهمية لبناء سوريا الجديدة عبر انفتاح على كل العالم . و سوريا اليوم تعاني من تهديد داخلي ملاحظ يتقدمه الدروز في السويداء ، و قسد الكردي في الشمال بجوار تركيا . و تهديد خارجي تقوده إسرائيل الاحتلالية ، الاستيطانية ، النازية ، تحت شعار ( أمن إسرائيل ) ، بينما هو أمنها الحقيقي بتراجعها علنا عن نهج الاحتلال ، و الاستيطان ، و النازية .وتنادي إسرائيل ذات الوقت بمنطقة عازلة بين وجودها غير الشرعي ، و بين سوريا الناهضة . و اتهام إسرائيلي لسوريا الجديدة بالإرهاب مغفلة في الوقت نفسه بأنها صانعة الإرهاب و الجرائم ضد البشرية في سلوك يشبه نهج أودولف هتلر في الحرب العالمية الثانية ، و مجزرة غزة الإسرائيلية الأخيرة شاهد عيان ، و تحجج غير مبرر بالسابع من أكتوبر لعام 2023 ، الذي لم يتفق معه الخطاب الرسمي العالمي ، و سانده المماثل الشعبي في كل العالم .

وحدة التراب السوري من منظور الرئيس الشرع الواجب أن تشمل عودة الجولان – الهضبة العربية السورية المحتلة منذ عام 1967،و رفض أسرلتها من قبل دونالد ترامب حسب تصريحه المشين عام 2017 في ولايته المشؤومة الأولى . و سوريا العربية التي نعرفها لا تعرف القسمة بين عائلتي الأسد و الشرع ، و سوريا بكامل عمقها العربي باقية واحدة رغم انقلاب الشرع و جبهته على نظام الأسد المخلوع.

لا نقبل ، نحن العرب ، بتمادي إسرائيل على الجغرافيا السورية التي تمثل الوطن السوري الواحد ، وكل شبر سوري ، هو عربي سوري ، و مغادرة إسرائيل لجبل الشيخ و القنيطرة السورية ضرورة عربية ملحة ، وكذلك الأمر بالنسبة للجولان . و إسرائيل مطالبة بعدم مغازلة دروز سوريا ، لأنهم يمثلون جزءا لا يتجزأ من النسيج الوطني الديمغرافي السوري ، و الواجب الوطني السوري يقتضي إعادة نشر الديمغرافيا السورية لكي لا تحتكرها المناطق الجغرافية بحكم السكن ، و الإرث ، و التراث . ومنطقة الدروز مدعوة في السويداء لاستقبال لاجئين سوريين يرابطون في الدول العربية المجاورة مثلا . و السيادة السورية هي عربية نهاية المطاف ، و التعاون السوري العربي مطلوب ، و العربي السوري كذلك . و التعاون المائي السوري مع الجوار العربي مطلوب أيضا ، ولا نقبل بأن تمس إسرائيل سيادة العرب في أي مكان عربي جغرافي . و إذا كانت سوريا اليوم تمر في مرحلة إعادة بناء قوتها العسكرية لتحمي حدودها ، فإن المطلوب من العرب هو المشاركة في حمايتها من التغول الإسرائيلي غير المشروع . و روسيا كما دول العالم الصديقة لسوريا معنية بتحصين سوريا عسكريا لتتمكن من حماية نفسها . و لا أهداف عدوانية لسوريا خارج حدودها .

روسيا – بوتين ماضية في الصعود و النهوض ،وفي مواجهة الرهاب و الفوبيا الموجهة لها من أركان الغرب ، و سوريا كما باقي البلاد العربية مهمة لها ،و تعرف ذات الوقت بعلاقة سوريا و العرب مع بلاد الغرب ، وهو الأمر الذي لا يمنعها من غرس أشتالها هنا في سوريا و وسط العرب . ولقد خسر الرهان كل من اعتقد خاطئا بأن قاعدتي روسيا العسكريتين ( طرطوس البحرية ، و حميميم الجوية ) سوف تغادران سوريا ، وهاهو الشرع يثبت مداميكهما ،و يسعى لتطوير العلاقات السورية – الروسية على المستويات الاقتصادية ،و العسكرية ، و الثقافية كافة ،و الاجتماعية . و تحرص روسيا و سوريا أيضا و بلاد العرب على التمسك بالقانون الدولي و تقديمه على كافة أنواع الصراعات و الأزمات التي تعيق مسيرة التنمية الشاملة بينهما و على مستوى خارطة العالم . ولم يشهد التاريخ المعاصر شن روسيا لعدوان على دول الجوار و العالم ، و كل حروبها دفاعية . و كذلك العرب ينتهجون حروبا دفاعية . و روسيا و العرب يبحثون عن السلام العادل القادر على صناعة التنمية .

وفي الختام هنا ، فإن روسيا المنفتحة على دول العالم ليست منعزلة عنه أو في داخله . و مساحة روسيا وحدها لمن لا يعرف والتي هي حوالي 18 مليون كلم 2 تستوعب ضعف الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا . و تمسكها بالقانون الدولي يمنحها قوة اضافية إلى جانب قوتها العسكرية الأرضية ، و البحرية ، و على مستوى الفضاء ، و في قوة النار النووية على مستوى العالم . وكل الحروب التي فرضت على روسيا انتصرت فيها و لازالت تنتصر . و الحرب الأوكرانية شيوعا و التي بدأت من " كييف " و عواصم الغرب ليست مقياسا من زاوية طول فترتها الزمنية ، و في حالات الحروب الكبيرة و الأكبر روسيا تتصرف بشكل مختلف ، لكنها تقدم السلام على الحروب ،و تحوله لتنمية شاملة خادمة للبشرية جمعاء .
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 13:47