الحنيطي تكتب: الصمت المسروق من الأرواح

إيمان الحنيطي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 12:22
في هذا العصر الذي يهرع نحو حتفه الرقمي بخفّةٍ مخيفة، حيث تلتهم الخوارزميات ووسائل التباعد الاجتماعي بقايا انتباهنا كما تلتهم النار أطراف الورق، لم يعد الملل حالةً هامشية لا يُؤبه لها، بل صار ترفًا لا نطيقه، وشبحًا نطارده بوابلٍ من النقرات العبثية، لا لأننا نبحث عن شيء، بل لأننا نخشى مواجهة اللاشيء. لقد تحوّلنا إلى كائناتٍ مرتبطة وموصولة على الدوام بالشبكة، لكنها مفصولة عن جوهرها، عن الواقع الجميل، حاضرة في كل مكان، غائبة عن نفسها، تعيش في التدفق ولا تمكث في المعنى. إننا نعيش زمن الصمت المسروق؛ زمن يُعامَل فيه السكون كذنب، ويُنظر إلى الفراغ الذهني بوصفه خطيئةً تستوجب التكفير بالتصفح اللانهائي، وكأن التوقّف عطب، وكأن الجلوس مع الذات جريمة غير معلنة.

حجة الخوف من الملل ليس خوفًا من الفراغ، بل خوفٌ أعمق من مواجهة الجمال الخام، الشعور بجمال الحياة والطبيعة، ذاك الجمال الذي لا يستجدي انتباهنا، ولا يطلب وساطة رقمية ليُقنعنا بوجوده، جمالٌ لا يلمع ولا يصرخ، بل ينتظر عينًا لم تُفسدها العجلة في زمن السرعة. وحين نُدمن السرعة، تُصاب ذائقتنا بعمى التدرّج، فنرى الأشياء دون أن نبصرها، نمرّ بالغسق دون أن نلتفت إلى انكساراته الرهيفة، ونعيش الوقت دون أن نشعر بوقع خطاه وهو يترك آثاره الصامتة على تفاصيل العالم. هكذا تفقد الحواس قدرتها على الدهشة، ويبهت العالم لا لأنه تغيّر، بل لأننا لم نعد نمنحه الزمن الكافي ليظهر.

لقد علّمتنا المنصّات أن الجمال يجب أن يكون فوريًا، صاخبًا، ومكتملًا في ثوانٍ، وإلا عُدّ غير جدير بالتوقّف. وهكذا خسرنا ملكة التذوّق البطيء، ذلك التذوّق الذي لا يستهلك الشيء بل يقيم فيه. فالرقـيّ الذي ننشده لا يُولد في العجلة، بل في البطء؛ الفن بطيء لأنه يرفض الاختزال، والحب العميق بطيء لأنه يحتاج زمنًا ليصير آمنًا، والوعي الرصين لا يتشكّل في الاندفاع، بل في التخمّر الهادئ بعيدًا عن غليان المنصّات وضجيج الآراء الجاهزة التي تُستهلَك قبل أن تُفهَم.

من هنا، لا يعود الملل حالة نقص، بل يتحوّل إلى مساحة مقاومة صامتة، وإلى موقفٍ وجودي في وجه ثقافة الاستنزاف. إنه اللحظة التي يُسحب فيها الإلهاء، ويُترك الإنسان وحيدًا مع ذاته، بلا وسائط ولا مسكّنات، بلا ضجيج يحجبه عن نفسه. والعزلة الرقمية، في هذا السياق، ليست انسحابًا من العالم، بقدر ما هو استردادًا للسيادة على الانتباه، ورفضًا لأن تتحوّل الخوارزميات إلى وصيٍّ على وعينا، ومهندسٍ خفيّ لرغباتنا وإيقاع أعصابنا. أن نحتمل الملل هو أن نعلن تمرّدًا هادئًا على اقتصاد الاستهلاك النفسي، وأن نعيد الاعتبار للزمن بوصفه تجربة تُعاش، لا مادة تُستنزف.

في تلك المنطقة الرمادية بين الصمت والسرعة المتعبة، حيث تمتد الرتابة بلا زينة، يبدأ العمل الحقيقي للوعي. هناك، حين يملّ العقل من مراقبة الجدران، يشرع في فتح نوافذ داخلية، ويبني من الفراغ عوالمه الخاصة، ويستعيد قدرته على الخلق بدل الاكتفاء بالتلقّي. عندها يتحوّل تأمّل خيط دخانٍ يتصاعد بلا غاية، أو مراقبة قطرة مطر تعانق الزجاج في صمت، إلى طقسٍ تطهيري، يغسل الروح من صدأ المعلوماتية الجافة، ويعيد للحواس ترتيبها الطبيعي، وللزمن ثقله المفقود.

ما تسميه الثقافة السائدة مللًا ليس سوى مخاض الوعي، تلك اللحظة المؤلمة التي تسبق تشكّل المعنى. فالعقل الذي لا يملّ عقلٌ مروّض، لم يُمنَح فرصة الشك ولا رفاهية التمرّد ولا شجاعة الوقوف عاريًا أمام أسئلته. أما الصمت، فليس غياب الصوت، بل حضور المعنى في أنقى حالاته، ومن يجرؤ على البطء، يجرؤ على هذا الحضور، وعلى الجمال الذي لا يُلتقط بصورة، ولا يُختزل بمنشور، بل يُعاش بكامل ثقله.

إن الرقيّ الإنساني لا يُقاس بقدرتنا على ملء الوقت، بل بقدرتنا على تحمّل فراغه دون هلع، وعلى الجلوس في شرفة اللحظة مع فنجان القهوة دون استعجال الرحيل عنها. في هذا الملاذ الصامت، بعيدًا عن سطوة الضجيج، تتشكّل الأفكار التي لا تُستهلك، وتنضج الأسئلة التي تغيّر مسار الحياة. وربما هناك، في تلك اللحظة التي لا يحدث فيها شيء، يستعيد الإنسان حقه الأول والأعمق: أن يكون حاضرًا في نفسه، لا مجرد صدى عابر في شبكة لا تنام.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/31 الساعة 12:22