الأردن دولة المعنى في زمن الفوضى الكبرى

الاستاذ الدكتور عبدالله سرور الزعبي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/29 الساعة 13:24
لم يكن دافوس 2026 مؤتمرًا للنقاش بقدر ما كان جلسة تشخيص قاسية لنظام عالمي يرقد على سرير الطوارئ. ما كُشف هناك لم يكن أسرارًا جديدة، بل اعترافًا متأخرًا بأن العالم يدخل عقد اضطراب طويل، بلا مظلة قانونية صلبة، وبلا مركز قيادة واضح، وباقتصاد عالمي يتحرك من العولمة بوصفها وعدًا، إلى التفكك بوصفه سياسة مُدارة.

النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية ينهار ببطء، لا بانفجار واحد، بل بتآكل الثقة، وتراجع القواعد، وصعود منطق القوة العارية. أوروبا تعيش أزمة يقين حضاري، وتواجه اضطرابات سياسية واقتصادية عميقة، الولايات المتحدة تعيد تعريف دورها العالمي بعقلية أقل التزامًا وأكثر نفعية. الصين تتقدم بصمت استراتيجي نحو الهيمنة الاقتصادية، روسيا تُتقن اللعب على التناقضات الغربية بعقلية براغماتية باردة.

الأرقام لا تقل خطورة عن الخطابات السياسية في دافوس، وتشرح الانهيار الهادئ. الدَّين العالمي تجاوز 315 تريليون دولار (ثلاثة اضعاف الناتج الإجمالي العالمي)، والنمو العالمي المتوقع للسنوات الخمس القادمة يدور حول 2.3% فقط، وهو أدنى من متوسط ما بعد 2008، والإنفاق العسكري العالمي تخطّى 2.4 تريليون دولار سنويًا، بزيادة تفوق 40% خلال عقد، وأكثر من 60 دولة تعيش ضغوط ديون حادة أو خطر تعثر.

هذه ليست أزمة دورية، بل تحوّل بنيوي، العالم ينتقل من منطق الازدهار عبر التعاون إلى منطق الصمود عبر القوة.

أما الشرق الأوسط، فيقف باستمرار عند تقاطع الصراعات الكبرى. تتداخل ملفات إيران والحشود العسكرية حولها، وغزة وما بعدها، والطاقة والممرات البحرية، في لحظة شديدة الهشاشة. المنطقة التي تضم نحو 6% من سكان العالم، تستحوذ على أكثر من 35% من بؤر النزاع (لا لأنه أكثر عدوانية، بل لأنه مساحة التقاء المصالح المتناقضة). المنطقة قابلة للاشتعال في أي لحظة على شكل صراعات إقليمية عميقة. أي اضطراب في الخليج أو البحر الأحمر كفيل برفع أسعار النفط بنسبة قد تتجاوز 25% خلال أيام. هذه ليست قراءة نظرية، بل واقع بدأ يضغط مباشرة على المنطقة.

القوى الكبرى تتنافس لتتغيّر خرائط النفوذ في المنطقة بعد حرب غزة (أمريكا الأكثر نفوذاً، ويتوسع مع مجلس السلام)، ويتصاعد الدور الإقليمي لتركيا وإيران وإسرائيل، وتبرز السعودية كقوة صاعدة بملفّاتها الاقتصادية والدبلوماسية.

بعد دافوس، لم يعد الحديث عن تسويات شاملة واقعياً. المنطقة تدخل مرحلة إدارة التوتر، لا حرب فاصلة ولا سلام نهائي. إيران تُدير نفوذها كأداة ردع واستنزاف، والولايات المتحدة تلوّح بالقوة دون شهية لحرب مفتوحة. الحشود العسكرية حول إيران ليست استعراضًا، بل رسالة ردع قوية لها ولغيرها من الدول. الإقليم يعيش على حافة انفجار يمكن أن يبدأ بضربة محدودة وينتهي باستنزاف طويل. السؤال لم يعد، هل تقع المواجهة؟ بل، كيف ستُدار إن وقعت؟

السيناريو الأكثر احتمالية، ليس حربًا شاملة، بل مواجهة محسوبة بدقة، ضربات دقيقة وخاطفة، واستنزاف اقتصادي، وأمني، وضغط على الداخل، وردود عبر الوكلاء (قوة الوكلاء لم تعد كما كانت قبل 3 سنوات) في أكثر من موقع، والممرات البحرية والحرب السيبرانية، وحروب أعصاب. هذا يُبقي المنطقة في حالة توتر دائم، والاستقرار أكثر كلفة. الخطر الحقيقي ليس الحرب ذاتها، بل آثارها غير المباشرة على الدول التي لا تملك هوامش خطأ.

في حال المواجهة الماشرة، فلن تكون حربًا تقليدية قصيرة، ولا مواجهة ثنائية معزولة (في حال أعلنت إيران الجهاد الاكبر)، بل صراعاً متعدد الطبقات. المنطقة ستكون ساحة ارتدادات مختلفة، وقد تنتهي بإعادة تشكيل موازين قوى إقليمية كاملة.

اما في حال الوصول لتسوية كبرى (تفاهمات قسرية، وإعادة رسم أدوار، ونظام إقليمي هش، لكنه أقل اشتعالًا)، وهي الحالة الأصعب سياسيًا، لكنها الأكثر استقراراً.

في هذا المشهد، يقف الأردن أمام سؤال في غاية الاهمية، كيف يحدد المسافة السياسية التي تؤمّن استقراره، وتمنحه قدرة التحرك لحماية امنه الاستراتيجي.

الأردن في قلب الجغرافيا السياسية، أي اضطراب إقليمي ينعكس عليه بسرعة، ومع مديونية تقارب 115% من الناتج المحلي، وبطالة تتجاوز 20%، وفاتورة طاقة تستنزف نحو 10% من الناتج سنويًا، لا يملك الأردن رفاهية الخطأ الاستراتيجي، على الرغم من انه ليس طرفًا مرشحًا للمشاركة في الحرب، لكنه أحد المرشحين لارتداداتها.

الخطر الحقيقي ليس الصواريخ، بل الضغط المركب، اقتصادي، واجتماعي، وأمني ناعم. ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد، واحتمالات لجوء جديدة، واستقطاب سياسي وإعلامي حاد في المنطقة. وهنا تتبلور معادلة الأردن لإدارة ارتدادات الحرب، التي قد تطول.

الأردن، الذي يعتمد على الاستقرار كأصل سيادي، سيواجه تحدياً مزدوجاً، الحفاظ على موقف متزن يمنع تحويله إلى طرف في الصراع، وفي الوقت ذاته حماية جبهته الداخلية من تداعيات التضخم، والإشاعات، ومحاولات الاختراق السياسي أو الاجتماعي. الاحتمال الأكبر أن تكون الحرب شاملة في أثرها لا في ساحاتها، طويلة النفس، ومتدرجة التصعيد، وتستخدم فيها القوة لإعادة رسم الردع لا الاحتلال. وفي مثل هذا النوع من الحروب، لا يُستهدف من يقاتل فقط، بل من يصمد ايضاً. هنا تكمن معادلة الأردن، دولة لن تدخل الحرب، لكنها مطالبة بأن تُدار وكأن الحرب قد تطول. النجاة في هذا النوع من الصراعات لا تكون بالانحياز، بل بالتماسك الداخلي، والجاهزية، وضبط الإيقاع في لحظة يغيب فيها العقل عن كثيرين.

في هذا السياق المضطرب، يأتي انضمام الأردن إلى مجلس السلام ليس كخطوة بروتوكولية، ولا كتموضع رمزي، بل كامتداد طبيعي لعقيدته السياسية التاريخية بوصفه دولة اتزان لا دولة محاور. الأردن لم يدخل هذا المجلس بحثًا عن نفوذ إضافي، بل دفاعًا عن منطق الدولة في زمن تتآكل فيه فكرة الدولة لدى بعض الدول. المشاركة الأردنية تقوم على فلسفة إدارة الصراع حين يستحيل حسمه، ومنع الانزلاق حين يغيب العقل، وحماية الحد الأدنى من الشرعية السياسية في ملفّات باتت تُدار بالقوة لا بالقانون.

انضمام الأردن إلى مجلس السلام، يخدم مصالحه الاستراتيجية، حيث يمنحه منصة مؤسسية تتيح له أن يكون جزءًا من صياغة مقاربات ما بعد الحرب، بدل أن يكون متلقياً لنتائجها، ويعزز صورته كفاعل عقلاني موثوق، في لحظة تبحث فيها القوى الكبرى عن شركاء يملكون القدرة على التهدئة لا التصعيد، وينسجم مع مصلحته العليا في منع تحويل قضايا مثل غزة إلى وقود دائم لإعادة إنتاج الفوضى الإقليمية التي يدفع ثمنها دائمًا اللاعبون الأقل قدرة على المناورة.

الأهم أن هذا الدور لا يضع الأردن في موقع الوسيط المحايد، بل في موقع الدولة الضامنة للتوازن، في عالم يفقد اتزانه، وحماية مصالحه عبر الحضور الذكي في مساحات القرار، لا عبر الانكفاء أو المجازفة، بل الفاعل الهادئ، الذي يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، دولة تدافع عن الحقوق دون أن تتحول إلى طرف في الحرب، وتتمسك بالقانون الدولي دون أوهام حول عدالته الكاملة، وتدير علاقاتها مع القوى الكبرى دون ارتهان أو مغامرة.

الخطر الحقيقي على الأردن لم يكن يومًا في أن يكون حاضراً على الطاولة، بل في أن تُدار الطاولة من دون حضوره.

في هذا السياق، لا يمكن فهم موقع الأردن دون فهم فلسفة الدولة التي يقودها الملك، التي ترى الدولة كأصل سيادي لا كجهاز إداري، وان السيادة، هي القدرة على اتخاذ القرار في لحظة الاستثناء. هنا يُستحضر المعنى الهيغلي للدولة بوصفها "العقل المتحقق في التاريخ، كنظام أخلاقي يجب حمايته من التفكك".

أخطر ما قد يواجه الأردن في العقد القادم ليس الحرب الإقليمية بحد ذاتها، بل أن يخوضها العالم بينما يبقى الداخل مثقلًا بالاختلالات الاقتصادية وتآكل الثقة. التماسك الاجتماعي، يجب ان لا يكون شعاراً، بل ضرورة قصوى. وهذا يتحقق حين يشعر المواطن أن الدولة عادلة، وأن الأعباء موزعة بإنصاف، وأن الكفاءة معيار فعلي لا شعار اداري.

في زمن الاضطراب، لا يمكن إدارة المجتمع بعقلية التطمين المفرط، ولا بخطاب التخويف. المطلوب المصارحة، والكشف عن الحقائق مهما كانت صعبة، لأن المجتمعات التي تُصارَح تصمد أكثر.

وسط كل هذه العواصف، يبرز التعليم كخط الدفاع الأول. الا ان الأدوات التعليمية الحالية تُعيد تدوير الأزمة، بمخرجات منفصلة عن الاقتصاد. المعادلة واضحة، لا دور خارجي بلا قوة داخلية، ولا قوة داخلية بلا رأس مال بشري متمكن بتعليم نوعي. ان الخروج من الأزمة الاقتصادية يحتاج الى ثورة تعليمية حقيقية، لا تجميلية، تعيد بناء الإنسان الأردني القادر على الإنتاج والمشاركة.

في عالم ما بعد دافوس، حيث لا قانون يحمي الضعفاء ولا قيم تضبط الأقوياء، والعالم يعيش زمن "لحظة الاستثناء". وفي هذا الزمن، لا يملك الأردن ترف الرفاهية، بل خيار الوعي. وكما قال توينبي، التاريخ لا يكافئ الأقوى، بل الأقدر على الاستجابة الخلّاقة. اليوم، لا أحد يملك اليقين، لكن بعض الدول ومنها الأردن، تملك المعنى.

الأردن يملك فرصة نادرة رغم قسوة المشهد. دولة بلا فائض موارد، لكنها ليست بلا فائض عقل. خبرت التوازن في إقليم لا يعترف بالتوازن. والنجاة لن تأتي من معجزة خارجية، بل من تماسك داخلي صلب، واقتصاد صمود لا اقتصاد وعود لا تنفذ على ارض الواقع، وتعليم نوعي، وإدارة تنفيذية تفهم زمنها، وألا تتعامل مع اللحظة كروتين، بل كاستثناء تاريخي. في هذا الزمن الاستثنائي، يجب ان يستحضر تحذير هيغل "من لا يعرف موقعه في التاريخ لا يعرف مصيره".

الأردن، بقيادته صاحبة الحكمة، يملك البوصلة، والنجاة هنا ليست حظاً، بل عقلاً سياسياً طويل النفس، وقدرة على تحويل الجغرافيا من عبء إلى قيمة، والأزمات إلى اختبار نضج الدولة.

السؤال اليوم لم يعد، هل العالم ذاهب إلى الفوضى؟ بل، من سيبقى واقفًا حين تستقر الفوضى بشكل النظام الجديد؟
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/29 الساعة 13:24