القيسي يكتب: لماذا فشلت أحزاب وسط اليسار؟ الأسباب الظاهرة والخفية

جمال القيسي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/29 الساعة 10:22
انطلق مشروع التحديث السياسي في البلاد عبر تعديلات جوهرية على قانون الأحزاب وقانون الانتخاب، وتعديلات دستورية مكمّلة، بما وفّر إطارا قانونيا متقدما نسبيا للعمل الحزبي. غير أن هذا التمكين التشريعي، على أهميته، لا يكفي وحده لإنتاج أحزاب سياسية فاعلة ومؤثرة؛ فغمار السياسة ليست نصوصا قانونية فحسب؛ بل ثقافة تنظيمية، وسلوكًا قياديا، وقدرة على تمثّل مصالح المجتمع وتحويلها إلى برامج قابلة للتنفيذ.

وقد أشار رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي، بصفته رئيس اللجنة الملكية للتحديث السياسي، إلى ضرورة التريّث في مسار الوصول إلى الحكومة البرلمانية، إدراكًا لتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي. غير أن الإرادة الملكية اختارت الرهان على القيادات السياسية، وعقدت الأمل على قدرتها على التقاط الفرصة التاريخية وتنفيذ مشروع التحديث بروح وطنية مسؤولة.

فماذا جرى على أرض الواقع؟ ولماذا فشلت غالبية الأحزاب السياسية، ولا سيما أحزاب التيار الديمقراطي الاجتماعي، في الاستفادة من هذه اللحظة السياسية؟

أول الأسباب الظاهرة تكمن في هشاشة البناء التنظيمي؛ فقد نشأت أحزاب عديدة على عجل، دون قواعد مؤسسية راسخة أو منسجمة فكريا، وغلبت عليها العلاقات الشخصية وشبكات الولاء، ما أضعف قدرتها على اتخاذ قرارات جماعية مستقلة، وأفقدها التماسك الداخلي الضروري لأي عمل سياسي مستدام.

أما السبب الثاني، فيتجلى في غياب البرنامج الاجتماعي–الاقتصادي الواضح. فالديمقراطية الاجتماعية ليست خطابا أخلاقيًا عامًا، بل رؤية متكاملة للاقتصاد والعدالة الاجتماعية ودور الدولة. إلا أن خطاب هذه الأحزاب بقي إنشائيا وعاجزا عن ترجمة هموم الطبقة الوسطى والفئات رقيقة الحال إلى سياسات محددة ومقنعة، يمكن الدفاع عنها.

ويُضاف إلى ذلك الانفصال عن المجتمع، حيث أخفقت هذه الأحزاب في بناء علاقات حقيقية مع الروابط الثقافية والنقابات المهنية والعمالية، ومع الاتحادات الطلابية، فبدت هذه الأحزاب ككيانات نخبوية معزولة، تتحدث عن المجتمع وهمومه من خارجه، لا من داخله.

غير أن الأسباب الخفية والأعمق للفشل تكمن في البنية الداخلية لهذه الأحزاب؛ فقد ساد نمط من تقديس القيادة (Leadership Sanctification)، جرى فيه تحصين مواقع قيادية من النقد والمساءلة، وتحويل أشخاص إلى رموز لا تُسأل عما تفعل. هذا النمط أغلق الفضاء الداخلي، وأقصى الكفاءات الحقيقية الوازنة، وأنتج ثقافة امتثال بدل ثقافة نقاش ديمقراطي.

وفي السياق ذاته، برز دور ما يمكن تسميتهم بحملة المباخر، ممن أحاطوا القيادات بهالة زائفة من النجاح والإنجاز، وزيّنوا الإخفاقات، وقطعوا الصلة بين القيادة والواقع، فكانت الصدمة قاسية لأحزاب وسط اليسار عند أول اختبار انتخابي برلماني حين جاءت نتيجة الفشل مدوية وتؤكد ضآلة تأثير وحضور أحزاب وسط اليسار في المجتمع.

كما أسهمت العقلية الإقصائية داخل التيار الديمقراطي نفسه في تعميق الفشل، عبر الصدام مع شخصيات ثقافية وإعلامية ونقابيّة فاعلة، ومقبولة ومعروفة في المجتمع أكثر من الأحزاب، بدل استيعابها والاستفادة من حضورها بوصفها مصدر قوة سياسية وتنوّع ثري يرمم من صورة وسط اليسار.

خلاصة القول، إن فشل أحزاب وسط اليسار الديمقراطي ليس وليد عوامل ظاهرة فحسب، بل نتيجة خلل بنيوي في التنظيم والفكر والسلوك السياسي المفتقر إلى اللون. وقد كشف هذا الفشل أن التحديث السياسي، مهما كان متقدما تشريعيا، لا يُنتج حياة حزبية سليمة ما لم تتولاه قيادات ديمقراطية تؤمن حقيقةً بالديمقراطية، وتنتهج المؤسسية وتحتكم للنقد والمساءلة، وتشتبك بصدق مع المجتمع وتحترم عقل المواطن.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/29 الساعة 10:22