رداد يكتب: تغييب المثقفين في الحزب الديمقراطي الاجتماعي
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/28 الساعة 13:25
عند محاولة فهم العمل السياسي الحزبي، لا بدّ من القول إن الثقافة ليست هامشا مكمّلا للفعل السياسي، بل رافعته الأساسية، ولا سيما في الأحزاب اليسارية التي جعلت من التنوير مهمة تاريخية لها؛ فالحزب الذي لا يعلو فيه صوت الثقافة النقدية التنويرية على سائر الأصوات، إنما يفقد أحد أهم مقومات روحه اليسارية، ويتحوّل إلى تنظيم إداري أو تعبوي شعبوي بلا أفق فكري.
إن تاريخ الأحزاب اليسارية والديمقراطية الاجتماعية يقدّم شواهد واضحة على أن أهم التجارب الحزبية الكبرى قادها مثقفون، لا بوصفهم نخبة معزولة، بل باعتبارهم فاعلين عضويين في مجتمعاتهم. ولم يكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي شكّل الحاضنة الفكرية لروزا لوكسمبورغ، سوى مثال على الدور المركزي للتنظير النقدي في بلورة الديمقراطية الاجتماعية بوصفها مشروعا للتحرر والعدالة الاجتماعية. وقد مثّلت روزا لوكسمبورغ، على وجه الخصوص، صوتًا نقديًا جذريًا داخل الاشتراكية الديمقراطية؛ دافعت عن الديمقراطية بوصفها شرطا للاشتراكية، ورفضت السلطوية، ونبّهت مبكرًا إلى مخاطر تفريغ المشروع الاشتراكي من مضمونه التحرري لصالح البيروقراطية أو التكيّف البراغماتي مع الرأسمالية.
ولم تكن التجربة العربية بمنأى عن هذا السياق؛ إذ تأسّست أهم الأحزاب اليسارية والقومية على أيدي مثقفين جذريين وعضويين، حملوا همّ التغيير الاجتماعي والوطني، قبل أن تتعرّض تلك الأحزاب لاحقًا لعمليات خطف سياسي، سواء عبر القبضة العسكرية أو عبر بيروقراطيات حزبية مغلقة أجهضت النقد، وصادرت التعدد، وحوّلت التنظيمات إلى هياكل جامدة فقدت قدرتها على التجدد والتأثير.
في هذا الإطار، يمكن فهم التيار الثقافي الديمقراطي العريض الذي تشكّل داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني بوصفه امتداداً فكريًا – لا تنظيميًا – لتجربته رابطة الكتّاب الأردنيين، ورافعة حقيقية للحزب كان يمكن البناء عليها لو تم التعامل معها بروح التشاركية الوطنية، والانحياز للقضايا الكبرى، واحترام دور المثقفين بوصفهم شركاء في صياغة الرؤية لا زينة خطابية تُستدعى عند الحاجة. غير أن اعتماد منطق الإقصاء والتجاهل، وصولًا إلى تغييب عشرات الأسماء الثقافية والفنية الفاعلة والمؤثرة لغايات انتخابية مرحلية، لم يؤدِّ إلا إلى النفور والاستياء، وإلى إضعاف الحزب بدل تعزيز حضوره في الفضاء العام.
وقد يبدو للبعض أن ما جرى يشكّل لغزًا سياسيًا: كيف يمكن لقيادات تدرك، نظريًا على الأقل، الدور الجوهري للمثقف في التجربة اليسارية والديمقراطية الاجتماعية، أن تنخرط عمليًا في تغييب هذا الدور؟ لكن السؤال الأدق ليس في البحث عن لغزٍ مفتعل، بل في طرح تساؤل أكثر جوهرية: هل تملك هذه القيادات شجاعة الاعتراف بأسباب هذا التغييب؟!
فالواقع أن الأمر ليس لغزًا بحاجة إلى حل، بل عنوان عريض لأزمة بنيوية، تتجلى في التخبط السياسي الحزبي، وقلة الخبرة في العمل العام، وضعف القدرة على إدارة الاختلاف داخل الحزب. وقد ترافق ذلك مع نزوع واضح إلى التعامل مع الثقافة بوصفها عبئًا أو تهديدًا، لا شرطًا للتقدّم والتماسك. وفي مثل هذه السياقات، يصبح الإقصاء أسهل من الحوار، والتهميش أسهل من الشراكة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار ترافق مع فقدان الحزب لونه السياسي، فلم يعد واضحا لا في الممارسة ولا في الخطاب، وانتماؤه الشكلي لا الفعلي إلى فضاء وسط اليسار الديمقراطي الاجتماعي. فالديمقراطية الاجتماعية ليست مجرد شعارات عن العدالة الاجتماعية وخلط قيم المواطنة مع تكافؤ الفرص بسيادة القانون..الخ ، بل هي تقليد سياسي يقوم العدالة الاجتماعية والحرية والتضامن ضمن مبدأ المساواة والتعددية، واحترام الفكر النقدي، والاعتراف بدور المثقف في توجيه البوصلة الأخلاقية والسياسية. وحين تُفرَّغ هذه القيم من مضمونها العملي، يفقد الحزب هويته، ويتحوّل إلى كيان رمادي بلا موقع واضح ولا مشروع مميّز.
إن تغييب المثقفين، في هذا السياق، لا يمكن فصله عن أزمة تعريف الذات: هل الحزب حزب أفكار وبرامج ورؤية طويلة الأمد، أم مجرد إطار تنظيمي انتخابي يبحث عن الاستقرار ووهم الإنجاز على حساب الوزن الفعلي الضئيل له في الشارع؟ لقد جاءت الإجابة العملية، للأسف، على حساب الثقافة، والمثقفين الذين شكّلوا ذات يوم رافعة فكرية حقيقية له كانت تغطي سوءات غياب اللون السياسي، وتؤجل الكثير من الأسئلة الوطنية عن جدوى بقاء الحزب.
ختامًا، فإن استعادة الدور التنويري للحزب، في حال رغب في الاستمرار، لا تبدأ بإعادة الاعتبار لأسماء أو مواقع بعينها، بل تبدأ بالاعتراف الصريح بالأزمة، وبأن السياسة من دون ثقافة نقدية تتحوّل إلى تقنية فارغة، وأن اليسار الذي يدير ظهره لمثقفيه إنما يدير ظهره لتاريخه ولمبررات وجوده. وما لم يحدث هذا الاعتراف، سيظل تغييب المثقفين علامة جازمة على استمرار التخبط وفقدان البوصلة والدخول في غرفة الإنعاش.
إن تاريخ الأحزاب اليسارية والديمقراطية الاجتماعية يقدّم شواهد واضحة على أن أهم التجارب الحزبية الكبرى قادها مثقفون، لا بوصفهم نخبة معزولة، بل باعتبارهم فاعلين عضويين في مجتمعاتهم. ولم يكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الذي شكّل الحاضنة الفكرية لروزا لوكسمبورغ، سوى مثال على الدور المركزي للتنظير النقدي في بلورة الديمقراطية الاجتماعية بوصفها مشروعا للتحرر والعدالة الاجتماعية. وقد مثّلت روزا لوكسمبورغ، على وجه الخصوص، صوتًا نقديًا جذريًا داخل الاشتراكية الديمقراطية؛ دافعت عن الديمقراطية بوصفها شرطا للاشتراكية، ورفضت السلطوية، ونبّهت مبكرًا إلى مخاطر تفريغ المشروع الاشتراكي من مضمونه التحرري لصالح البيروقراطية أو التكيّف البراغماتي مع الرأسمالية.
ولم تكن التجربة العربية بمنأى عن هذا السياق؛ إذ تأسّست أهم الأحزاب اليسارية والقومية على أيدي مثقفين جذريين وعضويين، حملوا همّ التغيير الاجتماعي والوطني، قبل أن تتعرّض تلك الأحزاب لاحقًا لعمليات خطف سياسي، سواء عبر القبضة العسكرية أو عبر بيروقراطيات حزبية مغلقة أجهضت النقد، وصادرت التعدد، وحوّلت التنظيمات إلى هياكل جامدة فقدت قدرتها على التجدد والتأثير.
في هذا الإطار، يمكن فهم التيار الثقافي الديمقراطي العريض الذي تشكّل داخل الحزب الديمقراطي الاجتماعي الأردني بوصفه امتداداً فكريًا – لا تنظيميًا – لتجربته رابطة الكتّاب الأردنيين، ورافعة حقيقية للحزب كان يمكن البناء عليها لو تم التعامل معها بروح التشاركية الوطنية، والانحياز للقضايا الكبرى، واحترام دور المثقفين بوصفهم شركاء في صياغة الرؤية لا زينة خطابية تُستدعى عند الحاجة. غير أن اعتماد منطق الإقصاء والتجاهل، وصولًا إلى تغييب عشرات الأسماء الثقافية والفنية الفاعلة والمؤثرة لغايات انتخابية مرحلية، لم يؤدِّ إلا إلى النفور والاستياء، وإلى إضعاف الحزب بدل تعزيز حضوره في الفضاء العام.
وقد يبدو للبعض أن ما جرى يشكّل لغزًا سياسيًا: كيف يمكن لقيادات تدرك، نظريًا على الأقل، الدور الجوهري للمثقف في التجربة اليسارية والديمقراطية الاجتماعية، أن تنخرط عمليًا في تغييب هذا الدور؟ لكن السؤال الأدق ليس في البحث عن لغزٍ مفتعل، بل في طرح تساؤل أكثر جوهرية: هل تملك هذه القيادات شجاعة الاعتراف بأسباب هذا التغييب؟!
فالواقع أن الأمر ليس لغزًا بحاجة إلى حل، بل عنوان عريض لأزمة بنيوية، تتجلى في التخبط السياسي الحزبي، وقلة الخبرة في العمل العام، وضعف القدرة على إدارة الاختلاف داخل الحزب. وقد ترافق ذلك مع نزوع واضح إلى التعامل مع الثقافة بوصفها عبئًا أو تهديدًا، لا شرطًا للتقدّم والتماسك. وفي مثل هذه السياقات، يصبح الإقصاء أسهل من الحوار، والتهميش أسهل من الشراكة.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار ترافق مع فقدان الحزب لونه السياسي، فلم يعد واضحا لا في الممارسة ولا في الخطاب، وانتماؤه الشكلي لا الفعلي إلى فضاء وسط اليسار الديمقراطي الاجتماعي. فالديمقراطية الاجتماعية ليست مجرد شعارات عن العدالة الاجتماعية وخلط قيم المواطنة مع تكافؤ الفرص بسيادة القانون..الخ ، بل هي تقليد سياسي يقوم العدالة الاجتماعية والحرية والتضامن ضمن مبدأ المساواة والتعددية، واحترام الفكر النقدي، والاعتراف بدور المثقف في توجيه البوصلة الأخلاقية والسياسية. وحين تُفرَّغ هذه القيم من مضمونها العملي، يفقد الحزب هويته، ويتحوّل إلى كيان رمادي بلا موقع واضح ولا مشروع مميّز.
إن تغييب المثقفين، في هذا السياق، لا يمكن فصله عن أزمة تعريف الذات: هل الحزب حزب أفكار وبرامج ورؤية طويلة الأمد، أم مجرد إطار تنظيمي انتخابي يبحث عن الاستقرار ووهم الإنجاز على حساب الوزن الفعلي الضئيل له في الشارع؟ لقد جاءت الإجابة العملية، للأسف، على حساب الثقافة، والمثقفين الذين شكّلوا ذات يوم رافعة فكرية حقيقية له كانت تغطي سوءات غياب اللون السياسي، وتؤجل الكثير من الأسئلة الوطنية عن جدوى بقاء الحزب.
ختامًا، فإن استعادة الدور التنويري للحزب، في حال رغب في الاستمرار، لا تبدأ بإعادة الاعتبار لأسماء أو مواقع بعينها، بل تبدأ بالاعتراف الصريح بالأزمة، وبأن السياسة من دون ثقافة نقدية تتحوّل إلى تقنية فارغة، وأن اليسار الذي يدير ظهره لمثقفيه إنما يدير ظهره لتاريخه ولمبررات وجوده. وما لم يحدث هذا الاعتراف، سيظل تغييب المثقفين علامة جازمة على استمرار التخبط وفقدان البوصلة والدخول في غرفة الإنعاش.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/28 الساعة 13:25