الثمن الكبير الذي تدفعه المنطقة

مكرم الطراونة
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 23:42
تعيش المنطقة تحت وطأة شعور اقتراب الحرب التي تقرع طبولها الولايات المتحدة ضد إيران، في واحد من السيناريوهات التي اختبرتها المنطقة مرارا خلال عقود طويلة من النزاعات التي فرضت عليها، وأثّرت في جميع مفاصلها.

لا أحد يعرف على وجه اليقين إن كانت الحرب ستشتعل حقا، أم أن ما تفعله إدارة الرئيس دونالد ترامب هي ضغوط على النظام الإيراني من أجل مزيد من التنازلات. لكن، ورغم ذلك، فإن جوّ الترقب المشوب بالخوف والحذر، يجعل من النظر بإيجابية للمستقبل أمرا مستبعدا، خصوصا في منطقة عاشت على وقع الصراعات والنزاعات طوال قرن كامل، وتعرف تماما الثمن الكبير الذي تدفعه الشعوب لقاء مثل هذه النزاعات.

في المنطقة العربية، لا يأتي الخوف دائما على هيئة انفجار، وإنما غالبا ما يصل همسا في نشرات الأخبار، أو في عناوين عاجلة، عن احتمال حرب جديدة. لكن هذا الهمس يكفي ليوقظ ذاكرة مثقلة بصور مدن مدمّرة، وأعمار ضائعة، وأجيال نشأت على وقع الطوارئ لا على وعد المستقبل.

ندرك من صميم قلوبنا أننا لا نريد أن نعيش التجربة مرة أخرى. لا نريد خوفا صامتا، وترقبا للمجهول الذي سوف تأتي به الأخبار، ثم نعيشه واقعا داميا بيننا ومن حولنا، فشعوب المنطقة تعبت من كونها "تفصيلا جانبيا" في حروب الآخرين.

الإنسان العربي العادي لا يفحص موازين القوى ولا يقرأ الخرائط العسكرية. ما يعرفه ببساطة هو أنّ أيّ حرب جديدة تعني مزيدا من القلق على الرغيف والعمل، وعلى الأبناء ومستقبلهم. تعني أن الاستقرار الهشّ الذي بالكاد تم ترميمه قد ينهار مرة أخرى، وأن الأمل المؤجل سيتأجل أكثر. هذا الإنسان لا يسأل: من سينتصر؟ بل يسأل: هل سننجو؟

المنطقة التي لم تلتقط أنفاسها بعدُ من حروب واحتلالات وصراعات بالوكالة، تجدُ نفسها مرة أخرى في موقع المتفرج القلق. شعوب لم تمنح فرصة حقيقية للشفاء، تُدفع إلى انتظار ضربة جديدة ليس لها أيّ مصالح فيها، لكنها ستكون وقودها. الخوف هنا ليس موقفا سياسيا، بل حالة إنسانية جماعية: ترقب ثقيل، نوم متقطع، وأمل يمسك به الناس كما يمسك الغريق بخشبة.

الحرب إذا اندلعت، سيكون تأثيرها كارثيا، وسوف تفرض فاتورة ضخمة على الشعوب التي لا حول لها ولا قوة، في الوقت الذي لا يطلب الإنسان العربي أمرا كبيرا، فما يريده بسيط إلى حد يبدو ساذجا في عالم المصالح الكبرى؛ أن يعيش بدون خوف، وأن يكون قادرا على التخطيط ليومه التالي دون أن يفكر في إمكانية إيجاد قوت أسرته، وأن يكبرَ أطفالُه وهم يعرفون طريق المدرسة، لا طريق الملاجئ.

لم تنطلقْ الحرب بعدُ، ولكننا نعيش أجواءها كاملة، بجميع ما فيها من عدم يقين، وغياب طمأنينة، وعجز عن التخطيط لأيّ خطوة قادمة. شعوب المنطقة غير قادرة على إدارة حياتها مثلما تفعل شعوب البلدان في مناطق أخرى من العالم، فنحن نعيش كابوسا ممتدا منذ قرن، من دون أن نرى أيّ علامة على قرب الخلاص.

في هذه المنطقة، لم يعد السلام شعارا رومانسيا، بل حاجة وجودية، فكل حرب جديدة لا تنسف الاستقرار فقط، بل تنسف ما تبقى من ثقة الناس بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.

لقد سئمنا من أن يكون الدمار والخراب والموت هي العناوين الأبرز في منطقتنا. سئمنا من أن نكون نحن الخبر الرئيسي على نشرات أخبار العالم. لا نريد حروبا أخرى تجر منطقتنا إلى الخراب، بل نحتاج إلى بعض الطمأنينة التي تشعرنا أن ثمة أملا في هذا العالم القاسي، وأننا عشنا الحياة، وليس فقط قضيناها ونحن نحاول تجنب الموت.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 23:42