بطاح يكتب: 'مجلس السلام' بين توقعات النجاح وتخوفات الفشل

د. أحمد بطاح
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 11:43
وقّع الرئيس الأمريكي ترامب في 22/01/2026 على هامش فعاليات مؤتمر "دافوس" ميثاق "مجلس السلام" بحضور عدد لا بأس من الرؤساء والممثلين لحكوماتهم، ولعلّ هذا لا ينفي توقعات البعض بأن ينجح هذا المجلس، وتخوفات البعض الآخر بأن يخفق، والواقع أنّ العوامل التي يمكن أن تقف وراء إخفاق هذا المجلس أكثر من العوامل التي يمكن أن تزكّيه وتمكّن الواقفين وراءَه من النجاح، ولعلّ أهم هذه العوامل:

أولاً: أنّ التفويض الذي أُعطي لهذا المجلس من قِبل مجلس الأمن الدولي كان خاصاً بقطاع غزة ولم يكن مفتوحاً، ولذا فإنّ الخروج به عن تفويض الأمم المتحدة إلى مجالات أخرى يشكّك في مصداقية الأهداف المُبتغاة، والأساليب المُستخدمة.

ثانياً: يتضمن الميثاق إشارة إلى الالتزام بالقانون الدولي، ولكّن الإعلان المُرافق للميثاق وبمؤشرات عديدة لا يضمن الالتزام المطلوب.

ثالثاً: استنكفت كل دول الاتحاد الأوروبي -وهم الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة- عن الانضمام لمجلس السلام لأنه أُسس في الأصل لمعالجة موضوع قطاع غزة حصراً، ولأن روسيا قد تشترك فيه وهي تمارس "عدواناً" صريحاً على أوكرانيا الأوروبية حسب بيان الاتحاد الأوروبي.

رابعاً: لم توافق الصين على الانضمام للمجلس وهي الدولة العظمى الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة، كما أنّ روسيا لم تُعلن رسمياً الانضمام إليه وقد صدر عنها أنها تقبل بالانضمام شريطة المساهمة بمليار دولار من أصولها المجمّدة في أوروبا ولصالح الشعب الفلسطيني.

خامساً: تم تأسيس "هيئة تنفيذية" لموضوع قطاع غزة، ولكن هل سيُصار إلى تأسيس هيئات تنفيذية لكل قضية من القضايا التي سوف يتصدى لها مجلس السلام؟

سادساً: يعطي ميثاق هذا المجلس سلطة حصرية وكبيرة لرئيس المجلس وهو الرئيس ترامب، ولكن هل سيقبل زعماء روسيا والصين مثلاً العمل تحت رئاسة ترامب؟ وماذا بعد أن ينهي ترامب رئاسته إلى من سوف تؤول رئاسة هذا المجلس؟ وهل سوف يُعاد النظر من جديد في صلاحيات الرئيس؟

وفي مقابل هذه العوامل المثبّطة قد تكون هناك عوامل نجاح مثل رئاسة ترامب (وهو رئيس أكبر دولة في العالم) لهذا المجلس، ورغبة كثير من الدول في مجاراة ترامب خدمة لمصالحها، أو خوفاً من نفوذ الولايات المتحدة، ولكن... هل هذا كافٍ فعلاً؟

إنّ حقيقة الأمر التي يمكن لأيّ محلل موضوعي ودقيق أن يكتشفها ببساطة هي أن ترامب يريد أن يخلق آلية عمل موازية للأمم المتحدة، والدليل على ذلك أنه شكّك في معرض حديثه عن المجلس بالأمم المتحدة ورأى أنّ لديه إمكانات كبيرة بالفعل ولكنها لا تستغلها بالأسلوب الصحيح، كما أن الدليل الآخر على نية ترامب خلق آلية عمل موازي للأمم المتحدة هي أن الولايات المتحدة تحت رئاسته انسحبت من أكثر من ستين وكالة دولية تابعة للأمم المتحدة!

إنّ الأمم المتحدة نشأت كما هو معروف بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) وبتوافقات معينة بين الدول المنتصرة (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا)، ولذا، فإنّ أية إعادة نظر في هذه الهيئة الأممية تحتاج إلى أن تتوافق معظم الدول الكبرى في عالم اليوم على إصلاحات أصبحت ضرورية بالفعل على الأمم المتحدة لتفعيلها وتخليصها مما لحق بها منذ زمن تأسيسها، ولكنّ المؤكد في الواقع أن تَوجُه دولة واحدة حتى وإن كانت الولايات المتحدة ليس كافياً لا لإصلاح الهيئة الأممية القائمة حالياً أيّ الأمم المتحدة، ولا لخلق هيئة جديدة مثل "مجلس السلام" المطروح على الطاولة الآن، وإذا أخذنا بالاعتبار أن الرئيس ترامب أثبت بالوقائع أنه يتجرأ على القانون الدولي كما فعل في موضوع اعتدائه على سيادة فنزويلا واختطاف رئيسها "مادورو" ونهب نفطها جهاراً نهاراً، وكما هو يفعل الآن في موضوع "غرينلاند" حيث يريد أن "يستحوذ" على الجزيرة الدنماركية (بالطريقة الصعبة أو بالطريقة السهلة!) غير عابئ ليس فقط بالقانون الدولي بل بمبادئ حلف شمال الأطلسي الذي تتزعمه الولايات المتحدة وتشارك الدنمارك في منظومته.

وعلى أيّة حال فإنّ الزمن سوف يكشف هل محاولة ترامب هذه لخلق بديل للأمم المتحدة سوف تنجح أو سوف تواجه الفشل وعندها قد تتداعى الدول العظمى لعمل ما هو صحيح وهو تفعيل الأمم المتحدة أو التوافق على خلق بديل فاعل لها.
مدار الساعة ـ نشر في 2026/01/27 الساعة 11:43